
عزيزة راشد
عندما كنت معلمة في مدرستي بولاية السويق، كنت أشعر بالفخر وأنا أحدد لطالباتي على الخريطة موقع سهل الباطنة الخصيب، كنت أردد على الطالبات أن سهل الباطنة سلة عمان الغذائية، وأن الاكتفاء الذاتي سينطلق من هنا من سهل الباطنة، وأن أمننا الغذائي مضمون للأبد بفضل هذا السهل الخصيب.
كانت الأحلام التي رسمتها في مخيلة الطالبات جعلت من بعضهن يدخلن كلية الزراعة، لأن مستقبل عمان مطلوب من أبنائه برعايته والذود عنه.
تمضي الأيام سريعًا لينكشف الغطاء النباتي الكثيف، والخضرة اليانعة، والسهول الممتدة، والخضار والفواكه المتوافرة بكثرة، والأشجار الوارفة، إلى غابات أسمنتية قبيحة تستوطن الزرع وتهلك الضرع ويتسابق فيها الأشقياء لينالوا من طمع الدنيا ما يساهم في الخراب.
طريق الباطنة الساحلي الذي تجاهل الأراضي الزراعية التي جرى جرفها، وسقطت أشجار الليمون والمانجو والنخيل بخضرتها اليانعة شهيدة لسوء تخطيط بشري سيُدفع ثمنه في المستقبل، وحلت الشوارع السبعة التي تشق سهل الباطنة الخصيب، وما تبقى من أراض بين هذه الشوارع غزتها المساكن وغابات الأسمنت.
في ظل كل هذا التمادي في جرف الخضرة وانحسار البساط الأخضر، نتطلع إلى وزارة الزراعة والثروة السمكية كمنقذ وكحاجز وكآخر من يحرر الأرض الزراعية من الاندثار.
الأمن الغذائي عبارة نكررها دائمًا، وضعنا لها إستراتيجية، ولجانًا في مجلس الشورى، ودراسات في مجلس الدولة، ومتابعات وتشريعات في وزارة الزراعة، ولكننا حتى الآن لم نحقق نجاحًا فيها، المسؤول مع المواطن كلاهما يشتركان في المسؤولية، الغذاء العماني قائم على الاستيراد فقط وما عداه عبارة عن محاولات خجولة لتجارب زراعية سرعان ما يتركها المواطن ليستثمر الأرض في البناء.
الاستيراد كلمة خطيرة على اقتصاد الدولة، فعدم تحقيق اكتفاء ذاتي من سلعة ما، يجعل السلطنة تستورد تلك السلعة مما يكلفها التزامات مالية وتأمينية باهظة الثمن، ناهيك عن جودة المنتج، وكذلك تتعرض خطوط الاستيراد إلى مخاطر سياسية عدة وفرض رسوم جديدة.
رغم المساحة الشاسعة التي حبا الله عمان بها إلا أن ما يُستثمر من الأراضي الزراعية في عمان لا يتعدى 5% فقط وهي نسبة لا تذكر، نسبة مريضة بحاجة إلى علاج عاجل، فنسبة السكان في تزايد مستمر، والأخطار السياسية تحيط بنا سواء ما كان منها من تحت الطاولة أو من فوقها، وعلى المسؤول والمواطن أن يعي حجم الخطر المحيط وربما القادم؛ لأن عمان ملك لنا وللأجيال القادمة، وعمان تبقى للأبد إن شاء الله.
من ضمن الأفكار التي أقدمها لوزارة الزراعة أن تفسح المجال للشباب العماني لممارسة نشاط الزراعة، عبر منح الشاب العماني قطعة أرض زراعية لزراعتها بمحصول زراعي معين، وهكذا مع بقية الشباب وبالتالي سيتحقق اكتفاء ذاتي من سلع ومنتجات زراعية معينة تكفي حيز المنطقة الموجود فيها المشروع الزراعي، ولعل تجربة الشباب العماني في ولاية ثمريت خير مثال على ذلك.
لم تعد المياه المؤرق في القيام بأي مشروع زراعي، إذ إن مشروع الاستمطار الصناعي الناجح يستطيع أن يحقق اكتفاء ذاتيًا من المياه عبر هندسة تلقيح السحب، ما يدر ثروة مائية نحتاج إليها سواء مباشرة كالأمطار أو كمياه جوفية، نحن حتى الآن لم نستفد من الاستمطار الصناعي، فكميات المياه المهولة التي أحدثها مشروع الاستمطار الصناعي ذهبت في مجملها إلى البحر، 80% من تلك الأمطار تتبخر والباقي نكتفي بتصويره وهو ذاهب إلى البحر، فهل هناك غياب للتنسيق بين المركز العماني للاستمطار الصناعي ووزارة الزراعة؟
ذلك أيضًا لا يعني أن الثروة المائية في عمان في خطر بل نحن في خطر، إن لم نحافظ على كميات المياه المهدورة في عمان، فوديان وعيون وشلالات محافظة ظفار التي تجري منذ أمد السنين تذهب مباشرة إلى البحر دون أن يفكر مسؤول واحد من المسؤولين سواء في محافظة ظفار أو في مراكز القرار من الاستفادة من هذا النزف المائي الخطير الذي يذهب هباء منثورًا دون تحقيق أي استفادة منه، لم يفكر ولم يتساءل أحد إطلاقًا سواء من المسؤولين أو المواطنين وهم يلتقطون صورًا تذكارية لعيون وشلالات ظفار إلى أين تذهب هذه المياه؟
نحتاج الآن وحالًا إلى إستراتيجية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء وتفعيلها، وعلى المسؤولين والمعنيين أن يخرجوا من مكاتبهم ويطوفوا عمان ويتبادلوا الأفكار مع الخبراء والمواطنين حول كيفية تحقيق تلك الإستراتيجية، ولفت النظر إلى المناطق والمحافظات العمانية وقياس نسبة وجود المياه الجوفية فيها، بالإضافة إلى تركيب محطات للاستمطار الصناعي عليها، وبالتالي يتحقق وجود وفرة مائية يُبنى بواسطتها مجتمع زراعي مكتف ذاتيًا لكل منطقة ومحافظة.
الإنسان العماني الذي استطاع أن يشق الصخر وينحته ليصنع قناة مائية، وحفر الأرض وجعل المياه تخرج إلى أمتار عصية من الأرض، وزرع وحصد، تستطيع جيناته المتمثلة في الشباب العماني والجيل الحالي أن تصنع المعجزات، ما علينا الآن هو أن نتحرك فقط.