
علي ناجي الرعوي
في الوقت الذي تواصل الآلة العسكرية في اليمن حركتها الميدانية بمنهجية متوالية غير مكترثة بما تحصده من الأرواح والضحايا والخسائر وما تحدثه من الخراب والدمار والتداعيات المضافـــة قسرا على هذا الواقع الكارثي والمتأزم من البديهي ألا يتمكن السياسيون أو اللاعبون الرئيسيون في الداخل من التوصل إلى ما أسموه (الحل الشامل) طالما وأن أقطاب (اللعبة الكبرى) الذين يتنافسون علنا ويوجهون مسارات الصراع داخل هذا البلد علنا لم يصلوا بعد إلى مأربهم والأهداف التي يسعى كل منهم إلى تحقيقها على حساب الآخر عبر البوابة اليمنية.
إذا أمعن المرء نظره في خريطة صراع هؤلاء الأقطاب فإنه قد لا يتمكن ربما من استشراف حقيقة الموقف الأمريكي وحسابات واشنطن في الصراع المحتدم على أرض اليمن سوى رؤية ذلك الموقف الذي يظهر بمظهر الشريك الاستراتيجي في (عاصفة الحزم) وهـــذا الموقف لا يتعلق بالأمن القومي الأمريكي وإنما بعلاقة الولايات المتحدة بالدول التي تقود التحالف والذي يهـــدف من وراء العاصفة كما يقول إيقاف التمدد الإيراني في الخاصـــرة الجنوبية للجزيرة العربية سيما بعد التغلغل الإيرانــي في العراق ولبنان وسوريا والذي أدى إلى الإخلال بالتوازنات الإقليمية وتأثير طهـــران فـــي جوارها الجيوسياسي وبث الانقسام الديني والمذهبي والطائفي في المجتمعات العربية ويبدو أن الرئيس دونالد ترامب بعد تسلمه رسميا قيادة أكبر قوة عالميـــة على وجه الأرض قد وجد فيما يعتمل على أرض اليمن من تداعيات ما يحقق له بعض الخدمات المالية والاقتصادية المباشرة التي كان قد وعد بها في برنامجه الانتخابي، ولذلك فقد حرص أن تكون أولى خطواته على المستوى العسكري في اليمن، إذ وجه بتنفيذ عــدة ضربات ضـــد تنظيم القاعدة بعد أن أقنعه بعض معاونيه أن اليمـــن هو أسهل مساحة لاستعراض عضلاته تجاه الإرهاب وإقناع الداخل الأمريكي أن كل الخيارات متاحة أمامه ليسهل له بعد تلك الضربات الحديث عن إيران ودورها في اليمن انطلاقا من علاقاتها مع جماعة أنصار الله خصوصا وهو من كان بحاجة لإقناع الداخل الأمريكي أيضا أن إيران صارت تعبث بالاستقرار عن طريق تلك الجماعة حتى يتسنى له بالتالي الاستمرار في دعم عاصفة الحزم والدفاع عنها في المحافل الدولية.
ما من شـــك أنه ومــع بداية عصر الرئيس ترامب تبدلت الكثير من المواقف السياسيـــة الأمريكيـــة في منطقــة الشرق الأوسط، ومن ذلك موقفهـــا من الحرب في اليمـــن، ففيما كانت الأولوية فـــي أجندة الإدارات السابقة هي لمكافحـــة الإرهاب والحيلولــة دون تحول هــذا البلد إلـــى دولة فاشلــة نجد في المقابل أن إدارة ترامب قد سعت إلى إدخال عامل ثالث على تلك الثنائية وهـــو المواجهـــة مع إيــران وبمــا يسمــح لهــذه الإدارة تغيير ما تعتبره فشل إدارة أوباما في التصدي لتنامي القـــوة الإيرانيــة في المنطقة ويفترض هــذا النهج بشكل كبيـــر أن اليمن يمكن فيها تحقيق هــذا الانتصار على إيران مع أن ما هو وارد في هذا النهج من وجهة نظر البعض يشــــي إلى عدم فهم جذري للصراع الممتد داخل الأراضي اليمنيـــة عوضا عـــن أنه يوحي إلى خطأ جسيم فــــي تقـــديرات واشنطن للنفوذ الإيراني في هذا البلد علــــى اعتبار أنه ومهما كان حجم الدعم الإيراني لجماعة أنصار الله فإنه الذي يصعب ترجمتــــه بالاعتقـــاد أن اليمن أصبح تحـــت سيطرة مباشرة من طهران.
من الثابت أن إدارة الرئيس ترامب التي رفعت القيود عن مساعدات واشنطن العسكرية للدول المشاركة في حرب اليمن ولم تنشغل كثيرا بمسألة إنهاء هذه الحرب ودعم الحل السياسي بقدر انشغالها بكيفية الهروب من ضغوط المنظمات الدولية وتقديم مستوى مرتفع من الالتزام نحو الدول المشاركة في تلك الحرب ومنحها الضوء الأخضر للمضي في الخيار العسكري حتى تحقيق الانتصار الذي تبحث عنه، ورغم غرابة هذه التوجهات إلا أنها في جميع الأحوال تطرح استفهامات عديدة عن موقف واشنطن حيال الصراع في اليمن وما الحل السياسي وسط هذا التوجه؟
وهل تسعى واشنطن فعلا إلى الاصطفاف في هذا الصراع؟ أم أن الولايات المتحدة ما زالت تنظر إلى الحرب في اليمن كسوق سلاح أم ساحة لتوجيه الرسائل إلى إيران؟
أسئلة بدت عصية على الإجابة بالنسبة لليمنيين وكذا بعض الدول الأوروبية التي تدعو إلى الحل السياسي، إذ إن الجميع بدا متوجسا من أن تكون مثل هذه التوجهات غطاء سياسيا لفرض واقع جديد في المنطقة وفي ظل هذه التوجسات ستبقى كل التساؤلات معلقة حتى تفصح واشنطن عما تبحث عنه في اليمن.
من الواضح أن التصعيد الأمريكي الجاري تجاه إيران سينحو إلى استبدال الملف النووي بالملف اليمني، إذ يفهم من حزمة المواقف والتصريحات الأمريكية الأخيرة أن اليمن بات يمثل الساحة الأخيرة التي تأمل واشنطن أن تصنع فيها انتصارا ضد إيران بعد أن تراجعت فـــرص تحقيق هذا الانتصار في العراق وسوريا وإرغام طهران على الانسحاب من هذين البلدين وبالتالي وتحت إلحـــاح الرغبة في تحقيق ذلك الانتصار فلم تعد واشنطن تبحـــث عــن حجم الثقل التي توجد به إيران في اليمن مقارنة بوجودهـــا فـــي العراق وسوريا، بل إنها التي لم تعد ترى في ذلك تناقضا طالمـــا وأن الأمر يسير في اتجاه إبراز القوة الأمريكية.
بإمكاننا القول إن اليمن غدا اليوم مجرد ساحة خلفية للصراعات في المنطقة وأن ما حدث ويحدث فيه من تناحر وحروب له جذور مردها إلى التآكل الداخلي وهرمون الصراعات البيولوجي الذي يفتك بأصحاب العرق الواحد في هذه المنطقة، وهو ما ينذر بطول أمد معاناة اليمنيين ويزيد من تفاقم أوضاعهم الإنسانية والاقتصادية وفراغ السلطة في بلادهم وتوطن إرهاب القاعدة وداعش في أرضهم وتفكك بنيتهم الجغرافية والاجتماعية، وهو ما قد يجعل من عاصفة الحزم أيا كانت حساباتها ووجاهة هذه الحسابات تتحمل تبعات ما سينتهى إليه مصير هذا البلد وما سيلحق به من تداعيات وكوارث مقبلة.
كاتب يمني