هل يصبح الشرق الأوسط مركزًا لوادي سيليكون جديد؟

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٠٢/أغسطس/٢٠١٧ ٠٤:٣٠ ص
هل يصبح الشرق الأوسط مركزًا لوادي سيليكون جديد؟

محمد محفوظ العارضي

لن تكون التوقعات بمستقبل الازدهار لدى الدول الصناعية الغنية متفائلة بقدر ما هي لدى الدول التي عانت من انخفاض أسعار النفط، والسبب أن هذه الأخيرة لجأت إلى سياسة التنوع الاقتصادي والاستثمار في قطاعات جديدة، وبشكل خاص قطاع التكنولوجيا الذي يحتاج للابتكار والثقة بالنفس. وقد استفادت هذه الدول من مخزون السيولة التي تولدت في سنوات طفرة أسعار النفط، ومن تجربتها الخاصة التي أدت إلى تعزيز القناعة بأن الاعتماد على مصدر واحد للدخل لن يعود مجديًا.

لقد استفادت دول مجلس التعاون الخليجي مثل الإمارات والبحرين من نشاط مستثمري الأسهم الخاصة في المنطقة في التحول من اقتصاد الريع إلى الاقتصاد المتنوع النشط، واستطاعت أن تستقطب جزءًا كبيرًا من أموال هؤلاء المستثمرين لشركات التكنولوجيا متعددة الوظائف، مستفيدةً من المنظومة التشريعية الملائمة، ومركزها العالمي الموثوق، والعوامل الديموغرافية الداعمة وموقعها الجغرافي المتميز. لكن رغم ذلك، لم تتجاوز نسبة الاستثمار في أسواق التجارة الإلكترونية 2% وهي نسبة ضئيلة قياسًا بالأسواق العالمية التي حققت نسبة 15%؛ لذلك تشكل الأسواق الإقليمية فرصة هائلة للنمو في القطاع التكنولوجي الواعد.

لقد سلط تقرير شركة «ماكينزي» العالمية المتخصصة في الاستشارات الإدارية الضوء على ما تتمتع به منطقة دول مجلس التعاون الخليجي من مستوى عالٍ من تبني التقنيات الرقمية، إذ تصل نسبة استخدام الهواتف الذكية في الإمارات وقطر والبحرين إلى أكثر من 100%، كما أن نسبة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي تتجاوز 70%، وهي معدلات تتجاوز الولايات المتحدة. كما أن بعض الحكومات في المنطقة بدأت تنفيذ مبادرات مهمة للتحول الرقمي في معظم القطاعات، وهو ما من شأنه أن يرفع نسبة الناتج الإجمالي المحلي، وأن يفتح آفاقًا جديدة من الفرص للمستثمرين العالميين والمحليين من القطاعين العام والخاص على حد سواء.
لقد بدأنا نشهد ارتفاعًا ملحوظًا في مستوى اهتمام الشركات العالمية الكبرى العاملة في مجال التجارة الإلكترونية بأسواق المنطقة، فشركة «أماوزن» على سبيل المثال استحوذت على موقع التجارة الإلكترونية «سوق دوت كوم» الذي يقدم خدماته لخمسين مليون زبون في المنطقة. وهذه الخطوة تدل على الميزات الهائلة التي يتمتع بها سوق التجارة الإلكترونية إقليميًا، خاصة في ظل التنامي المستمر لقطاع التجزئة عبر الإنترنت.
خلال السنوات القليلة الفائتة نجحت الكثير من الشركات الناشئة بالمنطقة في استقطاب استثمارات جديدة من أطراف عالمية معروفة، فقد تمكن موقع «وادي دوت كوم» من جمع 67 مليون دولار على شكل تمويل في العام 2016 بعد عشرة أشهر فقط من إطلاقه، وهو التمويل الأعلى من نوعه بين الشركات التقنية الناشئة في الشرق الأوسط. كما نجحت شركة «كريم»، وهي النسخة المحلية المشابهة لتطبيق خدمة المركبات الشهير «أوبر»، في استقطاب سلسلة من الاستثمارات منذ إطلاقه في 2013؛ مما أسهم في نموها وتنامي شعبيتها، ومن أهم العوامل التي يعتمد عليها نجاح هذه الشركات، وجود قاعدة زبائن واعية لمقتضيات وأهمية التطور في قطاع الخدمات الذي يعدُّ مقياسًا لمدى تقدم العلاقة بين العميل والمؤسسة المزودة للخدمة.
أما بالنسبة للشركات الناشئة، فلا شك أنها تحظى بمجموعة واسعة من الحاضنات والمسرعات كمركز AstroLabs في دبي المخصص للشركات التكنولوجية والرقمية، وقد استفاد هذا المركز من تعاونه مع شركة جوجل لمساعدة رواد الأعمال الجدد على تعزيز قدراتهم والاستفادة من تجارب رواد القطاع حول العالم، الذين يعملون ضمن أماكن متميزة كوادي السيليكون في الولايات المتحدة الأمريكية.
ومن أهم الحاضنات التي تدعم شركات التكنولوجيا الناشئة في دول مجلس التعاون الخليجي برنامج «بادر» لحاضنات التقنية في المملكة العربية السعودية، وهيئة تقنية المعلومات في سلطنة عمان، وبرنامج تسريع الأعمال Turn8 في دولة الإمارات. ومن المنصات الأخرى التي حققت نجاحًا كبيرًا في منطقة الشرق الأوسط، منصة «وومينا» WOMENA، وهي شبكة استثمارية تشجع الاستثمار في التكنولوجيا بين النساء في المنطقة.
وتمثل الشركات التي تخرج من هذه المنصات، مثل مطوري التطبيقات المبتكرة وشركات الواقع الافتراضي، أحدث جيل من المبدعين في المنطقة. ومن أفضل الأمثلة على هذه الموجة الجديدة، تطبيق Bookr الكويتي الشهير لحجز صالونات التجميل والسبا، وFish.me في البحرين، وهو تطبيق فريد مخصص لسوق الأسماك أُنشئ من قبل صيادين سابقين وخبراء في مجال الخدمات اللوجستية.
ويعود تركيز العديد من الشركات الناشئة الناجحة في المنطقة على قطاع التجارة الإلكترونية إلى الإقبال المتزايد على التسوق عبر الإنترنت في سوق تشهد قوة شرائية متنامية. وقد توقع محللون خلال ندوة جارتنر 2016 أن الإنفاق على تكنولوجيا المعلومات في الشرق الأوسط سيصل إلى 212.9 بليون دولار بنهاية العام 2016 -بزيادة قدرها 3.7 في المائة عن العام 2015، وهو اتجاه تدعمه إلى حد كبير الشركات الرقمية والترابط المتزايد بين الأسواق العالمية.
إن التركيز المتزايد على التكنولوجيا بدعم من حاضنات الأعمال المدعومة من الحكومات، يمثل تحولًا استراتيجيًا نحو أسواق غير نفطية يحركها المستهلكون. وفي الواقع، إن الاستراتيجيات الحكومية التي تسعى إلى تجاوز الاعتماد على الموارد الطبيعية من أجل بلورة اقتصاد متنوع، هي القوة الدافعة لضخ استثمارات كبيرة في قطاع التكنولوجيا، فالاستثمار في قطاعات الصناعة الرئيسية والبنية التحتية الوطنية أمر بالغ الأهمية لمنطقة تضم دولًا تعتمد في المقام الأول على النفط وترغب بتوفير المزيد من فرص العمل وضمان النمو الاقتصادي المستدام على المدى البعيد.
أما بالنسبة لشركات الاستثمارات الخاصة، مثل «إنفستكورب» بخبرتها الممتدة إلى 15 عامًا في تمويل شركات التكنولوجيا، فإن التكنولوجيا الرقمية تمثل مجالًا استثماريًا متناميًا، لاسيما أن هذا القطاع يحظى بدعم الحكومات الوطنية، وهم أصحاب المصلحة الأساسية في نموِّه، وأول المستثمرين في تأمين البنية التحتية المطلوبة التي تمهد الطريق أمام نجاح شركات التكنولوجيا الناشئة.
إن حماسة الحكومات لضخ بلايين الدولارات من الأموال العامة في المنظومة المزدهرة للشركات الناشئة تعدُّ إشارة قوية إلى أن قطاع التكنولوجيا يحظى بتركيز كبير وجاد على المدى البعيد مع السعي لتخفيض نسبة المخاطر؛ لذلك فإن الاستثمارات الخاصة تحظى بكل الدعم الذي تحتاجه للمضي قدمًا ودعم الشركات في جميع أنحاء المنطقة في بيئة استثمارية مواتية ومنخفضة الضرائب، وهي بيئة مختلفة جدًا عن التقشف الذي تشهده الأسواق المتقدمة في العالم.
إذا نجحنا في السنوات المقبلة في استغلال ما لدينا من مقومات على نحو ملائم، وتوجيه مواردنا المالية والفكرية نحو مشاريع رقمية واعدة، عندها يمكننا أن نحوِّل منطقة الشرق الأوسط إلى مركز تكنولوجي رائد لديه القدرة على المنافسة مع أهم الكيانات في العالم.
إن مهمتنا الأساسية أمام مشهد تشكل السوق الرقمي في دول مجلس التعاون بل في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام هي استقطاب رأس مال محلي لهذا القطاع يوازي أو يزيد على الاستثمار الأجنبي، وأن تكون البنية الأساسية الرقمية ليست للتجارة وتشجيع الاستهلاك فقط، بل لتعزيز الصناعة والإنتاج للحفاظ على أداء السوق وقدرته على استيعاب الوظائف ورفع القدرة الشرائية للأجور، أي أن نعمل على توطين التكنولوجيا وتوطين وظائفها التي يجب أن تخدم السياسات الاقتصادية العامة لكل دولة من دول المنطقة.
ليس من المنطق محاولة استنساخ تجارب الشركات التي تقدم الخدمات وتعتمد على الاستهلاك في جوهرها، بدون الوعي لحقيقة أن هذه الشركات نجحت في موطنها وسط ظروف اقتصادية مختلفة سماتها إنتاج التكنولوجيا والسلع بمختلف أنواعها. لذا علينا، ونحن نتطلع لاستقطاب شركات الخدمات والتجارة الإلكترونية، ألا ننسى أن سعينا الأول، حتى لا نكون مجرد سوق استهلاكية وقوة شرائية فقط، يجب أن يكون نحو تعزيز قيمة الإنتاج في اقتصاداتنا الوطنية أولًا.

رئيس مجلس الإدارة التنفيذي في إنفستكورب