ما مـدى صحـة النظـام المالي العالمي؟

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٠٢/أغسطس/٢٠١٧ ٠٤:٣٠ ص
ما مـدى صحـة النظـام المالي العالمي؟

محمد عبدالله العريان

في الأسابيع الأخيرة، أَكَّد صناع السياسات على ضفتي الأطلسي أن النظام المالي سليم ومستقر. ففي يونيو، أعلن بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أن كل البنوك الأمريكية اجتازت أحدث اختبارات الإجهاد السنوية. والآن، تقترح رئيسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي جانيت يلين أننا قد لا نشهد أزمة مالية أخرى «خلال سنوات حياتنا».

في الوقت نفسه، أعلن مجلس الاستقرار المالي -الذي يتولى مراقبة الممارسات التنظيمية في مختلف أنحاء العالَم لضمان تلبية المعايير المتفق عليها عالميا- في رسالة إلى قادة مجموعة العشرين، أن «الأشكال السامة من الظِل المصرفي» يجري الآن القضاء عليها.

باختصار، لا شك أن التدابير الجارية لدعم النظام المالي العالمي أتت ثمارها، لا سيما عندما يتعلق الأمر بتعزيز الاحتياطيات الرأسمالية وتنظيف دفاتر الميزانيات العمومية في أجزاء مهمة من النظام المصرفي. الواقع أن أحدث التأكيدات من قِبَل صناع السياسات كانت مطمئنة لأولئك الذين يشعرون بالقلق لأنهم يرون أن الجهود المبذولة لا تكفي للحد من المخاطر المالية الجهازية وضمان خدمة البنوك للاقتصاد الحقيقي، بدلًا من تهديد رفاهيته.
بعد أن كاد خوض المجازفات غير المسؤولة يدفع الاقتصاد العالمي إلى سنوات عديدة من الكساد في الفترة 2007-2008، أطلقت الهيئات التنظيمية والبنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة جهودًا كبرى لتعزيز أنظمتها المالية.
وبالإضافة إلى تعزيز القطاع المصرفي، أحرز صناع السياسات أيضًا تقدمًا نحو توحيد أسواق المشتقات المالية وجعلها أكثر قوة وشفافية، مما يقلل من مخاطر إنقاذ المؤسسات غير المسؤولة بالاستعانة بأموال دافعي الضرائب في المستقبل. وعلاوة على ذلك، أصبح نظام المدفوعات والتسوية أكثر أمانًا، الأمر الذي ساعد بالتالي في الحد من خطر «التوقف المفاجئ» للنشاط الاقتصادي، كما حدث في الربع الرابع من العام 2008.
حملت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة لواء الريادة في مجال الإصلاح، وكانت أوروبا حريصة على اللحاق بالركب. وإذا افترضنا أنها فعلت، كما يعتزم صناع السياسات هناك، فإن تعهد «يلين» بإقامة نظام مصرفي «أقوى كثيرًا» في الولايات المتحدة ينطبق على كل الولايات المصرفية المهمة نظاميًا في العالَم المتقدم أيضًا.
ومع ذلك، من المبكر للغاية إعلان الانتصار الآن. فرغم أن مجلس الاستقرار المالي يصف النظام المالي بأنه «أكثر أمانًا وبساطة وعدالة»، فإنه يعترف أيضًا «بالمخاطر الناشئة التي قد تقوض هدف مجموعة العشرين المتمثل في تحقيق نمو قوي ومستدام ومتوازن، إذا تُركت دون أن يتصدى لها أحد».
وبوصفي مراقبًا ومشاركًا في أسواق رأس المال العالمية، أستطيع أن أتبين ثلاثة من هذه المخاطر.
فأولًا، مع توقف بعض البنوك الخاضعة لتنظيم دقيق عن ممارسة بعض الأنشطة، سواء طواعية أو غير ذلك، استعيض عنها بمؤسسات غير مصرفية غير خاضعة للمعايير الإشرافية والتنظيمية نفسها.
وثانيًا، باتت بعض أقسام النظام غير المصرفي الآن واقعة تحت سيطرة «وهم السيولة»، وتنطوي بعض المنتجات على خطر الإفراط في وعد السيولة التي يمكنها تقديمها للزبائن المتعاملين في بعض المجالات -مثل سندات الشركات العالية العائد في الأسواق الناشئة- المعرضة بشكل خاص لخطر تقلبات السوق.
وثالثًا، لم يستشعر النظام المالي بعد التأثير الكامل للتغيرات التكنولوجية المربكة التي تتغذى على البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، وحرية التنقل، ويعمل هذا بالفعل على قلب عدد متزايد من القطاعات الراسخة رأسًا على عقب. من المؤكد أن أزمة مالية جهازية أخرى تهدد النمو والازدهار الاقتصادي في مختلف أنحاء العالَم من غير المرجح أن تنشأ في النظام المصرفي. ولكن من السابق للأوان التأكيد على أننا تجاوزنا كل المخاطر التي تواجه النظام المالي.
ولأن المخاطر تحولت -وهاجرت إلى خارج النظام المصرفي- فسيضطر القائمون على التنظيم والإشراف إلى تكثيف جهودهم وتوسيع نطاق تركيزهم بحيث يتجاوز البنوك. فكما أشار جريج إب من صحيفة وال ستريت جورنال في العام 2015، «ربما يكون إخراج المخاطر من الاقتصاد قسرًا أشبه بالضغط على فِراش من ماء، إذ تعود المخاطر إلى الظهور في مكان آخر. وعلى هذا فإن الأمر يسير جنبًا إلى جنب مع الجهود الرامية إلى جعل النظام المالي أكثر أمانًا منذ اندلاع الأزمة المالية».

كبير المستشارين الاقتصاديين في أليانز، وكان رئيسًا لمجلس الرئيس الأمريكي باراك أوباما للتنمية العالمية، وهو مؤلف كتاب «اللعبة الوحيدة في المدينة: البنوك المركزية، وعدم الاستقرار، وتجنب الانهيار التالي»