آسيا والذكرى الحزينة

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٠٢/أغسطس/٢٠١٧ ٠٤:٣٠ ص
آسيا والذكرى الحزينة

باري آيكنجرين

يصادف هذا الشهر مرور عشرين عامًا على الأزمة المالية الآسيوية أو بعبارة أكثر دقة، الحدث الذي أشعل شرارة الأزمة: خفض قيمة عملة تايلاند البات. ورغم أن مثل هذه المناسبات ليست سببًا للاحتفال بالضبط، فإنها تقدم لنا على الأقل الفرصة للنظر إلى الماضي ودراسة ما تغير ولا يقل أهمية عن ذلك، ما لم يتغير.

كانت أسباب الأزمة محل خلاف في ذلك الوقت، وما تزال موضع نزاع حتى يومنا هذا. فقد ألقى مراقبون غربيون اللوم على افتقار الدول الآسيوية إلى الشفافية وعلى العلاقات الوثيقة بين الشركات والحكومات أو ما أطلقوا عليه وصف «رأسمالية المحسوبية». ومن جانبهم، ألقى المعلقون الآسيويون اللائمة على صناديق التحوط كونها سببًا لزعزعة استقرار الأسواق المالية الإقليمية، وصندوق النقد الدولي لأنه وصف مسارًا علاجيًا كاد يقتل المريض.

لا تخلو كل من وجهتي النظر من مصداقية. فقد بالغت الميزانية العمومية التي نشرها بنك تايلاند إلى حد كبير في تقدير الاحتياطيات المتاحة من النقد الأجنبي وهو مثال غير ساطع على الإطلاق للشفافية المالية. فقد راهن المضاربون الأجانب بقوة ضد البات، ولم تشمل قائمة البائعين على المكشوف صناديق التحوط فحسب، بل شملت أيضًا بنوكًا استثمارية، بما في ذلك أحد البنوك الذي كان يقدم المشورة في الوقت نفسه لحكومة تايلاند حول كيفية الدفاع عن عملتها. كما أخطأ صندوق النقد الدولي في مشورته التي قدمها للدول الآسيوية حول كيفية إدارة الأزمة وليس للمرة الأخيرة عندما أوصى بقدر مفرط من التقشف المالي.
على مستوى أكثر جوهرية، عكست الأزمة عدم التوافق بين النمو التاريخي في آسيا وظروفها الراهنة.
في الوقت نفسه، تسببت قوى خارجية في تعقيد المشكلة. كان قبول كوريا الجنوبية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مشروطًا بتفكيك حكومتها لضوابط رأس المال، الأمر الذي عرَّض الاقتصاد لتدفقات من «الأموال الساخنة» قصيرة الأجل. وفي عموم الأمر، استشعرت الدول الضغوط من قِبَل صندوق النقد الدولي والخزانة الأمريكية لحملها على إزالة القيود المفروضة على تدفق رؤوس الأموال، الأمر الذي أدى إلى تضخيم المخاطر وزاد من التعقيدات المحيطة بالإبقاء على ربط أسعار الصرف.
ونجحت دول مثل تايلاند، التي كانت تعاني من عجز خارجي ضخم، والذي زاد من اعتمادها على التمويل الأجنبي، في تكوين فوائض. وقد ساعدتها هذه الفوائض في تكديس احتياطيات من النقد الأجنبي، والتي خدمت كشكل من أشكال التأمين.
رابعًا، تعمل الدول الآسيوية الآن معًا على توفير الحماية لنفسها. في العام 2000، في أعقاب الأزمة، أنشأت دول المنطقة مبادرة شيانج ماي، وهي شبكة إقليمية من الائتمان والمقايضات المالية. والآن أصبح لديها البنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية لإضفاء الطابع الإقليمي على توفير تمويل جهود التنمية أيضًا.
ومن الممكن فهم هذه المبادرات على أنها ردة فعل لتجربة آسيا التعيسة مع صندوق النقد الدولي. وعلى نحو أكثر جوهرية، تعكس هذه المبادرات ظهور الصين على الساحة. في العام 1997 لم تكن الصين غير الواثقة من دورها الإقليمي داعمًا قويًا لخطة اليابان لإنشاء صندوق نقد آسيوي. وفي نهاية المطاف، كان افتقار الاقتراح إلى الدعم سببًا في صرف النظر عنه.
في وقت لاحق، ساعد نمو ثقة الصين في نفسها وزعامتها في تمكينها من قيادة عملية بناء المؤسسات الإقليمية والتعاون الإقليمي. وكان هذا التغيير، الذي حدث على خلفية عشرين عامًا من النمو الصيني القوي، التغيير الأشد تأثيرًا على آسيا منذ اندلاع الأزمة. ولكن إذا كان ظهور الصين يدل على حجم التغيُّر الذي حدث، فإنه يذكِّرنا أيضًا بالكثير الذي يظل على حاله. فالصين ما تزال متمسكة بنموذج يعطي الأولوية لمعدل نمو مستهدف، وما تزال تعتمد على معدلات استثمار عالية لتحقيق ذلك الهدف. وتحتفظ الحكومة بمخصصات السيولة على أي مستوى مطلوب للإبقاء على دوران المحرك الاقتصادي، على نحو يذكِّرنا بشكل خطير بما فعلته تايلاند قبل أزمتها.
ولأن الحكومة الصينية خففت القيود المفروضة على الاقتراض من الخارج بوتيرة أسرع من أن يمكن اعتبارها حذرة، فقد تراكم على الشركات الصينية التي تتمتع بروابط قوية مع الحكومة مستويات عالية من الديون الخارجية. وما تزال الحكومة الصينية عازفة عن تعويم العملة، وهو الأمر الذي كان ليثبط إقبال الشركات الصينية على تكديس مثل هذه الالتزامات الضخمة المقومة بعملات أجنبية.
الآن أصبحت الصين عند النقطة نفسها التي كانت عندها جاراتها من دول جنوب شرق آسيا قبل عشرين عامًا، فمثلها كمثل تلك الدول، تجاوزت الصين حجم نموذج نموها الموروث. ولا نملك غير الأمل في أن يكون قادة الصين اهتموا بدراسة الأزمة الآسيوية بتروٍ. وإلا فإنهم من المحتم أن يكرروها.

أستاذ في جامعة كاليفورنيا في بيركلي وجامعة كمبريدج. أحدث مؤلفاته كتاب: «قاعة المرايا: الكساد العظيم والركود العظيم واستخدام وإساءة استخدام التاريخ»