
علي بن راشد المطاعني
رغم أن الدين الإسلامي الحنيف قد حرر الإنسان من كل أشكال وأصناف وألوان العبودية إكراماً له وإعزازاً لإنسانيته وآدميته، إلا أن العبودية وبأشكال وأطياف وألوان أخرى ما زالت تعشش في مجتمعاتنا العربية للأسف، تتمثل في العديد من الممارسات الخاطئة والتي تقدس الشخوص وتتبرك بهم وتتبع خطواتهم سواء كانت في اتجاه الخير أو في اتجاه الشر، ثم هي لا تألو جهداً في الدفاع عنهم سواء أخطؤوا أو أصابوا دفاعاً مستميتاً لا هوادة فيه.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إنهم يتشبهون بهم في حركاتهم وسكناتهم وفي أقوالهم، متناسين أن هناك مَن هو أحق بالتشبه به في مسلكه وفي تعامله وفي سماحته وفي طيب معشره وفي حلمه وسعة صدره ألا وهو رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم. هو أمر يحز في النفس ويخلّف في الصدر ألماً وفي القلب حسرة وفي البال حيرة وذهولاً، ذلك أمر لا يصدق أن نجد أناساً مصابين بهذا الداء وقد نهى ديننا الإسلامي عن كل هذه البدع والموبقات، ثم إن كتابنا الأعظم القرآن الكريم قد نهى في مواضع وآيات كثيرة عن عبادة العباد وحض الناس على مر الأزمان على عبادة الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، وأبلغنا بأن ما دون الله هو زوال حتماً.
إن العبودية وفي معناها الواسع ليست بالضرورة ذلك المعنى القديم الذي عرفناه في الجاهلية وفي العصور الغابرة، عندما عبد الناس البشر والأصنام، وارتضوا أن يكونوا رقيقاً يُباعون في الأسواق ويبقون على ذلك لا يملكون لأنفسهم شيئاً غير الطاعة والصغار والهوان، هكذا كان الحال قبل الإسلام كما نعلم، بيد أن العبودية الجديدة والمحدّثة تكمن في التبعية المطلقة تبعية الأنعام، هم بذلك قد أفرغوا رؤوسهم من أدمغتها وملؤوا جماجمهم بالحصى والرمال إمعاناً في الصغار وتأكيداً على تبعية عمياء تتنافى مع تكريم الله عز وجل للإنسان إذ هو خلقه في أحسن تقويم وأنعم عليه بما لم يُنعم به على الخلائق وهي نعمة العقل الذي تخلّوا عنه عن طيب خاطر إمعاناً في تقديسهم لتلك الرموز التي لم تخشَ الله فيهم.
إن العبودية الحديثة تتجسّد في الكثير من الممارسات الخاطئة التي توحي للفرد الذي ارتضى لنفسه بأن يكون كذلك بأن الله قد خلقه ليكون في هذا الموضع، وهذا في الواقع غير صحيح ولن يكون صحيحاً بطبيعة الحال، كل ما حدث هو أن هؤلاء المساكين يعتقدون خطأً بأنهم أقل وزناً وحجماً من الآخرين وهنا تكمن المأساة.