
لميس ضيف
بعد حوالي مئتي سنة من الظلم، ثبتت براءة الأختين «ريا وسكينة» من التهم البغيضة التي وجهت لهما، نعم، فقد فجرت قناة BBCالبريطانية مفاجأة مفادها أن ريا وسكينة ما هما إلا مناضلتان مصريتان، وأن جميع الجثث التي وجدت مدفونة في منزلهما كانت لجنود الاحتلال الإنجليزي في تلك الفترة. وأن عبد العال وحسب الله كانوا أبرياء من قتل النساء أيضا وأن السلطات المصرية لفقت كل تلك القصة لتمهد لتغيير قانون الجنايات المصري الذي كان يحضر وقتها إعدام النساء.
على مدار أعوام، روجت المسرحيات والمسلسلات والأفلام للصورة الوحشية لأختين جشعتين تقتلان النساء بغرض السرقة. وأمعن الإعلام في ظلم الشقيقتين فصورهما كنسوة «سيئات السمعة» تديران مواخير للعربدة والدعارة. وتستدرجان الرجال بغرض جمع المال. ولم يتيقظ أحد لتفاصيل القضية التي وردت -حتى في سجلات الدولة- إذ لم تجد الشرطة إلا الجثث ولم تقدم مسوغات. ولم يكن هناك أي شهود إلا «بديعة» ابنة ريا التي لقنوها الشهادة «وكانت في الـ12 من عمرها آنذاك» بعد أن أقنعوها أن أمها ستحصل على البراءة إن هي استجابت لضغوطاتهم وشهدت بما لقنوها إياه، ومن المفارقات أن بديعة نفسها أودعت لدار الأحداث بعد كل ذلك وأن الدار نفسها احترقت بعد شهور قليلة بكل ما فيها لتتحول الحقيقة لرماد دفنه التدليس والأفك مع بقايا ما احترق.
وقد أكد المخرج أحمد عاشور، الذي درس القضية، أن سجلات القضية وأرشيف شهادات الشهود تؤكد أن الجثث كانت لرجال وأن سجل التحقيقات الأصلية في الإسكندرية برأ الرباعي «ريا وسكينة وعبد العال وحسب الله» مــن التهم المنسوبة لهم، وأن وكيل نيابة الإسكندرية رفض ضغوط القنصل البريطاني فقدم استقالته وهو ما عرضته المسلسلات في طياتها دون بيان أو تبرير واضح للسبب.
إنها حلقة من تاريخ شيطنة النساء اللاتي تمردن على أدوراهن النمطية. وتجريدهن من صفات الشجاعة والنضال التي أُريد لها -دوماً- أن تُلصق بالرجال. ورغم أن الحقيقة ظهرت بعد كل تلك العقود، إلا أنها لم تجد مساحة لها في الإعلام العربي. بل اكتفى الإعلام الغربي بإشارة لما طوته صفحة الماضي. وستستمر التهمة ملصقة بالمناضلتين إلى الأبد. ولن تسلم مناضلات العصر الحديث من الشيطنة وتشويه السمعة والتجاهل. فعالمنا العربي لا يحب النساء، سيما من شببن عن طوق المجتمع منهن.
lameesdhaif@gmail.com