نحن بحاجة إلى مفكّرين

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٣١/يوليو/٢٠١٧ ٠٤:١٥ ص
نحن بحاجة إلى مفكّرين

طارق بن عبدالله ماجد البلوشي

نحتاج إلى مبدعين لا يتّبعون ما أبدعه الآخرون، بل يبتكرون أفكاراً تتوافق مع الظروف الحالية وتلبي الاحتياجات العصرية التي تساعد على تجاوز كل حاجز يقف عثرة أمام تقدم البشرية.

الفكر البنّاء هو ما يبنى على أفكار سابقة ليضيف إليها الجديد والمفيد، بحيث يخدم المجتمع ويرقى بعقولهم إلى مستويات تتعدى حواجز الممنوع ولا يقف عندها باعتباره صحيحاً وغير قابل للنقد.

كل إنسان يملك قدرات عقلية تؤهله بالحكم على الأمور وقياسها إذا أراد، ولكن معظم البشرية تتبع ما بناه السابقون وتجد في اتّباعهم راحة وطمأنينة وفي مخالفتهم ضياعاً وعدم سكينة.
ولكي نرقى فكرياً فإننا بحاجة إلى مفكرين يملكون الجرأة ليتجاسروا على ما سبق ويطرحوا ما هو جديد ليخدم البشرية ويحررها من المحيط التي اعتادت عليه وركدت فيه. إن الطبيعة البشرية دائماً تركن إلى ما هو مريح وتجد صعوبة وتتثاقل في تغيير العادة التي طبعت عليها، لذلك تتجه بنفس الوجهة وتتبع مساراً محدداً لا يخالف مسارها السابق فتبقى بنفس الدائرة المعتادة ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً.
وغالباً ما تتبع أفكار الآخرين وتجاربهم إلى درجة تصبح مخالفة أقوالهم وعدم السير على منوالهم يؤديان إلى العصيان يقتضي التوبة وطلب الغفران.
إن لكل منّا بصمة لا شبيه لها، فكل مخلوق له صفاته التي يتميّز بها وشخصيته المنفردة التي لا تتكرر، لذلك يجب على كل فرد إبراز شخصه وترك بصمته وعدم اتّباع الآخر وتقليده، فبقدر اتّباعك الآخرين وتقليدهم تلغي شخصيتك وتمحقها، وبقدر إبداعك وتجاوزك المألوف تنجز ما هو جديد.
إن الأفكار لا تنتهي وفي كل مجال هناك فرص للابتكار، وما على العقل البشري إلا البحث والتحليل والتمحيص وبعد التحقق من الموضوع المُراد البحث فيه وتوافقه مع العقل تضاف عليه الأفكار الإبداعية القابلة للنقد والتغيير، بحيث تكون المحصلة إضافة تثري الموضوع وتعطي المجال لإضافة الآخرين دون توقف عند حد معيّن، فلكل زمان ظرفه الخاص به ولكل مكان بيئته الملائمة ولكل إنسان مجتمعه الذي تربى ونما فيه ومن خلاله تشكلت ثقافته وهويته، وبموجبها يقيس الأمور ويحكم عليها فإذا توافقت مع خلفيته الثقافية توافق معها ورضي عليها وإذا خرجت عن محيط ثقافته استنكرها وانتقدها.
وهكذا يكون اتّبع ماضيه بما أملى عليه وترسّخ فيه دون أن يضيف رأياً جديداً.
هنا أتوقف عند مقولة للكاتب المسرحي وليام شكسبير «أكون أو لا أكون»، فالإنسان لكي يحقق ذاته لا بد أن تكون له آراؤه الخاصة به وشخصيته المنفردة واجتهاده في إضافة لبنة بمجال تخصصه أو أي مجال يجد نفسه قادراً على إضافة المزيد، أما إذا اكتفى على ما اكتشفه وابتدعه الآخرون فهو قرر أن لا يكون واكتفى باتّباع مسار الجمع من السابقين وأراح نفسه بسلوك الطريق السهل اليسير.
إن الاكتشافات العلمية والابتكارات التكنولوجية وصلت إلى مراحل متقدمة بحيث يضاف كل يوم ما يجعل العالم أقرب وأسهل تواصلاً، ولم يتحقق ذلك إلا باجتهاد مَن لا يكتفون بما توصل إليه السابقون بل سعوا لاكتشاف المزيد إلى أن حققوا الثورة الرقمية التي بدورها اكتسحت كل ما سبق من ثورات صناعية ورأسمالية لتقدم إضافة عظيمة للخدمة البشرية، ناهيك عن تقليل التكاليف المادية والأضرار البيئية كما سهلت الخدمات التجارية والتي بدورها جعلت العالم أكثر تقارباً وتواصلاً وتبادلاً للخدمات والمعلومات.
إن الإبداع الفكري لا يقتصر على المجال التكنولوجي والابتكار الفني أو الهندسي، بل يتعداه إلى المجال الفلسفي الذي هو أساس الحكمة والمنطق والذي يغذي العقل ويحرره من الجمود والقيود الصدئة التي تبقينا في محيطنا غير قادرين على التحرك إلى الأمام والتحرر من مستنقع الجهل والظلام، وبقدر تحررنا ستضاء عقولنا لتنوّر حاضرنا ومستقبلنا وبقدر جهلنا سنتمسك مفتخرين بما ورثناه من الماضي ولم يكن لنا شأن في تكوينه، لنبقى مفتخرين بها متصادمين مع الآخر في دوامة ليس لها أول ولا آخر.
واختم بحكمة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه «إن الفتى من قال ها أنا ذا وليس الفتى من قال كان أبي».