
تريسكا حميد
تعرف شخصية علي «بالعطلة»، الرجل الذي كشف عن تراث العراق وثقافته لشعب عازم على إعادة بناء مستقبله.
للتغلب على ألم فقدان شقيقته بمرض السرطان، ثم اختطاف أخيه على يد مليشيات القاعدة في العام 2005، انغمس علي المخزومي في الكتب والموسيقى من ماضي العراق ليجد العزاء في تراثه الثقافي.
واليوم، شارك الشاب البالغ من العمر 29 عامًا في تأسيس شركة «بالعطلة»، وهي شركة ناشئة تساعد على إحداث ثورة بخطى بطيئة في قطاع السياحة في العراق وتشجع مواطنيها على تقدير قيمة كنوز تلك الأرض.
بدأ علي حياته المهنية في وزارة الثقافة، إذ قام بتنظيم الأنشطة واستضاف الزوار الأجانب، كما أسس «يوم الثقافة العراقي». وفي هذا الصدد، يقول: «لقد لاحظتُ أن الحكومة لم تكن لديها سياسة طويلة الأجل، بل يأتون بوفد ويؤدون مهماتهم ويغادر الوفد. فليس هناك تأثير على المدى الطويل، ولا توجد برامج تعليمية مخصصة للأطفال أو الشباب».
لذلك فكر علي بفكرة شركة «بالعطلة»، وهي شركة تنظم رحلات إلى المعالم الأكثر شهرة في البلاد بصحبة مرشد سياحي محترف لعرض الجانب التعليمي للرحلة. وقد طرح فكرته في معرض «ستارت أب ويكند» في بغداد في العام 2013. وعن هذا، يقول علي: «قالوا إن فكرتي عديمة الجدوى وأنه ليس لدينا بنية أساسية للسياحة. وأخبروني أن أنسى الفكرة وأن آتي بفكرة جديدة. ومثل العديد من العراقيين في مثل عمره، فكر في الهجرة والتقى مع صديق له أثناء تناول القهوة لمناقشة خططه. وفي أثناء الحديث، ذكر فكرته بخصوص مشروع «بالعطلة» وحلمه في القيام برحلة واحدة على الأقل قبل مغادرته بغداد.
قرر صديقه مجاهد الويسي، الذي يمتلك شركة إنتاج إعلامي، دعمه وتعهد بالمواد الترويجية لرحلتهم الأولى إلى بابل. ويقول علي عن ذلك: «بالطبع كنت أحتاج إلى تصريح لفتح المواقع التراثية خلال عطلة نهاية الأسبوع لأن الحكومة العراقية تغلق المتاحف والمواقع التراثية يومي الجمعة والسبت».
وقد وافق الوزير على فتح بابل لمدة أربع عطلات أسبوعية في فبراير عام 2016 وأسس الصديقان شركة «بالعطلة» ليصبحا الشريكين المؤسسين للشركة. ويضيف علي: «ذهبنا إلى المواقع ووضعنا مسار الرحلة ودفعنا للمرشد السياحي. كما تواصلنا مع شباب عراقيين على وسائل التواصل الاجتماعي من أجل تحفيزهم، وقام هؤلاء بنشر إعلانات تشجع الناس على عدم تبديد المال على الشيشة في عطلة نهاية الأسبوع، وزيارة بابل بنفس السعر وتعلم شيء جديد وتكوين صداقات جديدة. وفرضوا رسومًا قدرها 25 دولارًا للرحلة وقاموا بتشغيل أغانٍ من الأربعينيات والخمسينات والستينيات، وهي أيام مجد الموسيقى العراقية».
خلال الشهر الأول، اصطحبوا نحو 200 شخص إلى بابل. ومع انتشار الخبر، ازداد الاهتمام وأراد علي التوسع في عروضهم، فقام برحلة إلى «هور الحمّار»، وهو جزء من أهوار بلاد الرافدين الشهيرة في جنوب العراق.
توقف علي في الناصرية، وهي مدينة صغيرة على ضفاف نهر الفرات على بعد حوالي ساعتين بالسيارة من موقع «أور» الأثري، مسقط رأس النبي إبراهيم عليه السلام. ولم يكن هناك سوى فندقين في الناصرية، كل منهما يضم 30 غرفة.
عندما وصل علي إلى «أور» يوم الجمعة، رفض الحارس إدخاله لأنه لم يكن لديه تذكرة. ولم يكن بالإمكان شراء التذاكر إلا من الناصرية خلال أيام الأسبوع. ولم يسمح الحارس لعلي بالدخول إلى موقع «أور» إلا ببعض «الواسطة»، إذ التقى بأبو أشرف، المرشد المحلي.
وسرعان ما بدأت الشركة تنمو، إذ نالت أكثر من 45 ألف «إعجاب» لصفحتها على موقع فيسبوك، منذ بدأت الشركة بتنظيم أول رحلة لها إلى بابل، سافر حوالي 10 آلاف شخص مع «بالعطلة». وقد حقق علي ومجاهد تقدمًا كبيرًا في القطاع، مما حدا بالوزارة الموافقة على فتح العديد من المتاحف والمواقع في العطلات الأسبوعية. ويوجد الآن فندقان آخران في الناصرية، كما تم افتتاح مطاعم جديدة وظهرت الآن منافسة من شركات سياحة أخرى.وفي هذا الصدد قال علي: «كانت الحكومة سعيدة معنا وبدأت تنظر إلينا كمؤثرين في المجتمع، حتى إنها فتحت المتاحف في العطلة الأسبوعية وحققت مزيدًا من الدخل وبدأت في بيع التذاكر على أبواب المواقع».
وتدرس شركة «بالعطلة» أيضًا العمل خارج العراق بعد تنظيم رحلة إلى مصر، حيث تعرف المشاركون على الإهرامات والحديقة الجيولوجية التي شاهدوا فيها الدلافين والجّمال عن قرب. كما تخطط الشركة لتلبية احتياجات السياح الأجانب برحلات مصممة خصيصًا بمجرد تحسن الوضع الأمني. وتركز الشركة حاليًا على تمكين الشباب العراقي من اكتشاف تراثهم.
متخصصة في قضايا وشؤون الشرق الأوسط