حياة عاشها في صِدق

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٣٠/يوليو/٢٠١٧ ٠٤:١٥ ص
حياة عاشها في صِدق

ما جيان

كان لخبر الإفراج عن ليو شياو بو، الصيني الحائز على جائزة نوبل للسلام والمنشق البارز، على أساس الإفراج الصحي المشروط، وقع الصدمة على العديد من أصدقائه ومؤيديه في مختلف أنحاء العالم. فنحن نعلم جميعاً أن الحكومة الصينية لا تطلق سراح السجناء السياسيين للعلاج الطبي إلا عندما تكون وفاتهم وشيكة. وكانت وفاة ليو في الثالث عشر من يوليو، بعد أيام فقط من انتقاله من زنزانة السجن إلى سرير في مستشفى، تأكيداً لأسوأ مخاوفنا.

كانت تلك المخاوف مستندة إلى خبرة قاسية. فقد انضم ليو إلى قائمة طويلة من السجناء السياسيين الصينيين الذين توفوا نتيجة لسوء المعاملة أو الافتقار إلى العلاج الموقوت أثناء احتجازهم.

عندما سُجِن لي هون، المحرر الأسبق في صحيفة تشيجيانج نيوز، بتهمة «التحريض على تخريب الدولة» في العام 2007، دخل السجن في صحة جيّدة. وبعد ثلاث سنوات، أُطلق سراحه على أساس الإفراج الطبي المشروط، وهو أشبه بِظِل مشلول من ذاته الماضية. ومات بعد فترة وجيزة على سرير بمستشفى، محاطاً بضباط الأمن.
على نحو مماثل، أُوقفت الناشطة في مجال حقوق الإنسان تساو شون لي بتهمة «استفزاز المشاجرات وإثارة المشاكل» في العام 2013، بينما كانت في طريقها لحضور برنامج تدريبي في جنيف. وحُرِمَت من الرعاية الطبية بعد مرضها أثناء احتجازها ولم يُسمَح لها بالذهاب إلى المستشفى إلا عندما وقعت في غيبوبة. ثم توفيت بعد بضعة أشهر، وهي موصولة إلى جهاز تنفس اصطناعي.
بعد سنتين، في العام 2015، سقط الراهب التبتي والزعيم المجتمعي تنزين ديليك رينبوشيه في السجن لأسباب غامضة. ولكن الحكومة رفضت الإفراج المشروط عنه طبياً. وبعد وفاته، رفضت الإفراج عن جثته لدفنه بطريقة تقليدية، وأُحرِق جثمانه بدلاً من ذلك -بدون تشريح. لكن وفاة ليو كانت مختلفة؛ ذلك أن شهرته، ومكانته كمنارة دولية للأمل والحرية والديمقراطية، كانت تعني أن السلطات الصينية لا تستطيع كنس مصيره تحت البساط بنفس السهولة التي كانت تجدها مع آخرين. وعلى هذا، ففي حين فرضت الرقابة على تغطية وفاة ليو في وسائل الإعلام المحلية، أخضعت السلطات الصينية جماهير الخارج لشكل مروّع من أشكال البانتومايم (التمثيل الإيمائي الصامت)، حيث اضطر رجل محتضر إلى تمثيل الدور الرئيسي.
بمجرد منحه الإفراج الطبي المشروط، جاهد النظام الاستبدادي الذي حكم على ليو في العام 2009 بالسجن لمدة 11 عاماً لمجرد الدعوة إلى الإصلاح الديمقراطي لتقديم نفسه وكأنه حاميه الرحيم. فظهرت لقطات لضباط أمن متخفين في هيئة أطباء، يلتفون حول سرير ليو في المستشفى ويستمعون إلى طبيب ألماني وطبيب أمريكي يقولان لزوجته ليو شيا: «إن السلطات الصينية ملتزمة تماماً بعلاج زوجك». وانطلاقاً من شعورهما بالغضب الشديد إزاء استخدامهما كأداة تضليل، أصدر الطبيبان في وقت لاحق بياناً: «طلب ليو شياو بو وأسرته استكمال رعايته في ألمانيا أو الولايات المتحدة». وأصرت السلطات الصينية على أن ليو أشد مرضاً من أن يتمكن من السفر. والحقيقة هي أنها لم تكن لتمنحه رغبته أبداً في الموت في بلد حر. فكان لزاماً أن تحدث وفاته تحت رقابتهم، حيث لا يستطيع أن يستخدم أنفاسه الأخيرة لشجبهم والتنديد بهم، وحيث لا يتسنى لجنازته أن تتحوّل إلى مسرح لإدانة حكمهم.
والواقع أن البانتومايم استمر حتى بعد وفاة ليو. ففي مؤتمر صحفي بعد يومين، أعلن متحدث باسم الحكومة بوجه جامد خالٍ من المشاعر أمام ضباط أمن صينيين متخفين في هيئة صحفيين أن جثمان ليو شياو بو أُحرِقَ «وفقاً لرغبة أسرته». وجرى عرض صور لحفل وداع نُظِّم على عَجَل في السادسة والنصف من صباح ذلك اليوم، حيث أحيط جثمان ليو بمجموعة من أصص الأقحوان الأبيض، واصطف أشقاؤه وزوجه على أحد الجوانب، وعلى الجانب الآخر وقف ضباط أمن متخفين في هيئة «أصدقاء حميمين».
وكشف مقطع نُشِر على تويتر عن اللحظات العاقلة الوحيدة في هذه التمثيلية الهزلية الدنيئة الشنيعة. فعندما غادر شقيق ليو الغرفة، صاحت صحفية حقيقية قائلة: «إين ليو شيا؟ ومن كان كل أولئك الناس في قاعة الجنازة؟ هل كانوا أصدقا ليو شياو بو؟». وعندما اقترب المؤتمر الصحفي من نهايته، انبجست مرة أخرى قائلة: «هل لي أن أطرح سؤالاً؟ لماذا لا يُسمَح بطرح الأسئلة في هذا المؤتمر الصحفي؟ لديّ الكثير من التساؤلات! ألا تشعرون بالخجل؟ العالم كله يراقبكم...». فتجاهلها المسؤولون وغادروا الغرفة في صمت حجري. في أواخر مايو، التقى تشو ديو في كوخي الذي يتألف من غرفة واحدة في بكين واقنعه بالانضمام إلى إضراب عن الطعام مع المغني وكاتب الأغاني هوي ديجان والمحرر قاو شين، وأعرب عن أمله في أن يُفضي هذا التضامن من قِبَل أربع شخصيات عامة، والذين أطلق عليهم لاحقاً وصف «السادة الأربعة من تيانانمن»، إلى إقناع مثقفين آخرين بالانضمام إلى الحركة.
في زياراتي المتكررة إلى البر الرئيسي بعد المذبحة، كنت أيضاً أخضع لمراقبة لصيقة، ولهذا لم تتح لنا الفرصة إلا نادراً للقاء والتحدث. عندما عُدت إلى بكين قبل الألعاب الأولمبية، استدعاني ضباط الأمن العام لتناول الشاي في فندق السور العظيم. وكان أول ما قالوه لي: «لا تجتمع مع أي شخصيات حساسة، وخاصة ليو الثرثار». وبعد بضعة أسابيع، رأيت ليو للمرة الأخيرة في اجتماع سريع في مكتبة في بكين. وكان كل منا يدرك أننا محاطون بالشرطة السرية، ولهذا لم تبلغ بنا الجرأة حد الجلوس وتبادل الحديث.
في العام التالي، بعد حضور صديقي الناشط يي دو محاضرة ألقيتها في جامعة تشونجشان في قوانجتشو، استجوبه مسؤول من وزارة الأمن العام، سائلاً إياه ما إذا كنت جلبت معي نسخة من البيان المؤيد للديمقراطية «الميثاق 08» لكي يوقع عليه. في تلك اللحظة، بات من الواضح في نظري أن ليو يواجه اعتقالاً آخر. وقد تحدثت مع ليو على الهاتف، فقال لي إنه يعتقد أنه قد يسجن لثلاث سنوات على الأكثر.
استند الميثاق 08، الذي شارك ليو في كتابته، إلى الميثاق 77، الذي تجرأ على دعوة حكومة تشيكوسلوفاكيا الشيوعية إلى احترام معاهدات حقوق الإنسان الدولية التي وقعت عليها. واعتُقِل ليو في ديسمبر 2008، وعكس الحكم الصادر في حقه بالسجن لمدة 11 عاماً حسابات النظام القاسية المتحجرة: يوم واحد لكل حرف في الميثاق. كما سُجِن أيضاً العديد من أولئك الذين وقّعوا على الميثاق، بعد فترة وجيزة من حصول ليو على جائزة نوبل للسلام -«عن نضاله الطويل غير العنيف من أجل حقوق الإنسان الأساسية في الصين»- في أكتوبر 2010، وُضِعَت ليو شيا تحت الإقامة الجبرية. وعلى مدار ثماني سنوات، زارت زوجها مرة واحدة كل شهر تحت رقابة مشددة، إلى اليوم الذي شهد نقله من السجن إلى مستشفى شين يانج. ولم يُسمَح لهما قط طوال تلك السنوات بلحظة واحدة على انفراد.
تزامنت آخر فترة قضاها ليو في السجن مع أكبر حملة قمع للحريات المدنية في الصين منذ الثورة الثقافية -والتي ما تزال جارية. وما تزال السلطات الصينية، المدفوعة بنفوذها الاقتصادي العالمي والصمت المذعن من قِبَل المجتمع الدولي، عازمة بقدر ما كانت في أي وقت مضى على كبح حرية التعبير وسحق كل معارضة لحكمها. على مدار السنوات الثماني الفائتة، سعت السلطات الصينية إلى تكميم ليو وزوجته ليو شيا، حتى في حين كانوا يسلبون حريته وكرامته. ولكن في خضم بحر الصمت الذي فرضته الدولة، تُصبِح كلمات محاضرة جائزة نوبل أعلى صوتاً: «لا وجود لأي قوة قادرة على وضع حد للسعي البشري إلى الحرية. وحرية التعبير هي الأساس الذي تقوم عليه حقوق الإنسان، وهي مصدر الإنسانية، وأم كل حقيقة».
مات ليو شياو بو كما عاش، في شجاعة وتماسك. وستعيش كلماته، فتلهم أجيال المستقبل لمواصلة الكفاح من أجل الحرية والديمقراطية، وتوقظ مواطني العالَم الذين يعيشون في غيبوبة للانضمام إلى المعركة.

مؤلف رواية «غيبوبة بكين»، وهو حالياً زميل زائر

لدى خدمة التبادل الأكاديمي الألماني (DAAD) في برلين