عدم «الممانعة» الحائرة بين العامل وصاحب العمل

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٢٦/يوليو/٢٠١٧ ٠٤:٠٥ ص
عدم «الممانعة» الحائرة بين العامل وصاحب العمل

محمد محمود عثمان

سوق العمل العربي يحتاج إلى آلية نشطة وفعالة، لتطوير التشريعات العمالية بين الحين والآخر، حتى تتواكب مع مستجدات العصر، خاصة مع تخلف قوانين العمل العربية وعدم توافقها مع المعايير الدولية المتعلقة بالحقوق والواجبات وحرية العامل في الانتقال من عمل إلى آخر، بعيدا عن القيود التي يفرضها نظام الكفيل الذي تنفرد به البلاد العربية دون غيرها من بلدان العالم.

ويأتي ذلك إلى جانب عدم تحرك منظمة العمل العربية قيد أنملة منذ إنشائها في مجال التصديق على اتفاقيات ومعايير العمل الدولية والعربية، وذلك رغبة من بعض الدول في التهرب أو التنصل من الالتزام بحقوق العمال وتأتي في المقدمة إشكالية رسالة عدم الممانعة التي تعطي صاحب العمل أو الكفيل -كما يطلق عليه في بعض الدول- الحق في الموافقة أو عدم الموافقة على انتقال العامل الأجنبي إلى صاحب عمل آخر.

تعني عدم الموافقة ترحيل العامل إلى بلاده فور انتهاء عقد العمل الخاص به، أو حرمان العامل من حرية الانتقال إلى عمل مناسب آخر ربما لتحسين أوضاعه المادية أو لراحته النفسية، وعدم السماح له بالعمل إلا بعد مرور عامين على مغادرة البلاد أوبموافقة صاحب العمل القديم، برغم انتهاء علاقة العمل بينهما، الأمر الذي جعل المنظمات الأوروبيــــة لحقوق الإنسان تنتقد هذه الإجراءات التي تتمسك قوانين العمل العربية بها، رغم تعارضها مع المبادئ الإسلامية السمحاء، بالإضافة إلى مخالفة جميع اتفاقيات حقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والاتفاقية الدولية 1990 لحماية العمال المهاجرين وأفراد أسرهم الصادرة عن منظمة العمل الدولية.

هذا إلى جانب وجود القاعدة الفقهية في التعاملات التي تقول إنه: «لا ضرر ولا ضرار» ومن منطلق أن الأصل في الأشياء الإباحة إذا لم يوجد نص مانع، ومن ثم فإذا كان للكفيل أو صاحب العمل منفعة ما، أو درءا لأية مخاطر أو خسائر أو أضرار، في عدم إعطاء العامل عدم الممانعة خلال سريان عقد العمل أو بعد انتهائه بأي من صور الإنهاء، فلا ضرر في ذلك، ولكن لا تترك الأمور هكذا مرسلة في كل المهن والوظائف مهما كانت صغيرة أو كبيرة، مهمة أو غير مهمة، إذ لا بد من وضع الضوابط المنظمة لذلك، وتحديد المهن والوظائف التي تتطلب موافقة الكفيل أو صاحب العمل على انتقال العامل، من خلال بنود خاصة، يتضمنها عقد العمل، والتي تضمن لصاحب العمل شرط عدم المنافسة وعدم نـــــقل أســــرار العمل إلى جهات أخرى سواء الأسرار المحاسبــــية أم الفنية، وتجنبه الخسائر إذا وجدت، والتي يرتضيها الطرفان وتكون ملزمة قانونا للجميع.
وكذلك يوضع في الحسبان، ألا تكون هناك أضرار أخرى حول تكلفة إحضار العامل والتعاقد معه من موطنه، أو تكاليف التدريب التي يتكبدها صاحب العمل بدون الاستفادة من العامل، ولذلك من الضروري أن يكون واضحا في عقد العمل العقوبات والغرامات والتعويض العادل عن الخسائر للمتضرر، على أنه من الممكن تدارك الكثير من هذه السلبيات أن لا تقل فترة عقد العمل عن أربع أو خمس سنوات، وبخلاف هذه الأمور فإن للعامل الحق والحرية في الانتقال إلى صاحب العمل الذي يريده، لأن أسواق العمل تتطور كما تتطور احتياجاتها وتشريعاتها المنظمة للعمل، وإذا تخلفت التشريعات عن مواكبة المتطلبات تكثر العثرات وتتفاقم المشكلات، والمتضرر الوحيد من ذلك هو القطاع الخاص، وقد تتفاقم المشاكل أيضا، عندما يقرر المستثمر الهروب لعدم منطقية ضوابط الأداء خاصة المتعلقة بتنظيم عمل الأيدي العاملة، وتحقيق احتياجات شركات القطاع الخاص التي تساعدها على الوفاء بالتزاماتها وتعاقداتها.
هذا الأمر يتطلب سرعة تحديث القوانين واللوائح استجابة لمتطلبات التغيير على المستويين المحلي والدولي وما يفرضه ذلك من تحديث الآليات حتى يمكن أن تتغلب على المشاكل الميدانية التي تعاني منها الشركات على أرض الواقع ومنها على سبيل المثال ما يتعلق بنسب وخطط توطين الوظائف من خلال الأيدي العاملة الوطنية وفرض الحماية لها، التي يجب إعادة تقييمها، وهل هي تمثل الاحتياجات الفعلية للمؤسسات أو الشركات؟ أم تفرض عليها فرضا؟

بدون دراسات توضح الاحتياجات الفعلية للشركات، وتفرق بين نسب التوطين في الشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات المصنفة كدرجة أولى أو ممتازة أو أدنى أو أعلى من ذلك، وهل تضع في الحسبان أنشطة الشركات التي تتنوع بين صناعية وتجارية وخدمية أو غيرها من الأنشطة التي لا يمكن المساواة بينها؟ إذ إن ما يصلح مع نشاط، لا يمكن أن يطبق مع الآخر.

لا شك أن ذلك يتطلب دراسات علمية تستكشف الاحتياجات الكمية والنوعية لكل نشاط، حتى لا يفرض على القطاع الخاص تخصصات ووظائف لا يحتاج إليها، بل وتمثل في النهاية أعباء إضافية على العمل والإنتاج، وتجعل من سوق العمل بيئة طاردة للاستثمارات التي تولي أهمية خاصة للكفاءة المهنية والمهارات المتخصصة التي تحقق قيمة مضافة للإنتاج والإنتاجية.

محمد محمود عثمان

mohmeedosman@yahoo.com