مشــاعـرنا قـبـل عقولـنا أحيانا

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٢٣/يوليو/٢٠١٧ ٠٤:٣٥ ص
مشــاعـرنا قـبـل

عقولـنا أحيانا

أحمد المرشد

أعترف أن ما سأكتبه اليوم عن الحب والمشاعر والقلب كنت سأنقله لكم الأسبوع الفائت لولا قمة العشرين ومشاركة الشقيقة السعودية فيها وما نجم عنها من إرادة قوية لمواجهة آفة الإرهاب التي نعاني منها دول وشعوب المنطقة، وقد آليت على نفسي اليوم آلا يشغلني عنوان آخر عن أيهما، مسؤول عن الحياة وتوجهات الإنسان في تصرفاته القلب أم العقل، ومهما قال العلماء والخبراء والأطباء، فلا يهمني سوى ما أراه أن القلب، هذه المضغة إن صلحت حقا أحبت ونقلت المحبة والود إلى عالمنا الصغير والكبير. فما أحلى الحب وما أروعه إذا أحببنا بصدق، فالشعوب والحضارات تحيا بالحب، وكم من ممالك انهارت وغابت عنها الشمس بسبب غياب هذا الحب وتملك مشاعر البغض والكره والحقد على النفوس التي إن حقدت ماتت فيها الروح وبالتالي غابت عن الحياة، تماما مثل الشمـــس، التي لن تتأخر أو تتقدم دقيقة عن موعد شروقها أو غروبها.

وإذا تحدثنا علميا، نقتبس من خطبة لفضيلة د. محمد راتب النابلسي، قال فيها إن الإنسان يتبدل كليا كل خمس سنوات إلا المخ -أو العقل- والقلب، فكل أعضاء الجسم تتغير، الخلايا، والعظام، والجلد، والأنسجة، وتعد الخلايا العظمية هي الأطول عمرا إذ تتبدل كل خمس سنوات.. أما محتويات المخ ثابتة لا تتبدل، بدليل ثبات المعلومات لدينا، وكذلك الخبرات والمهارات والذكريات وكل ما درسناه وتعلمناه. ويتساءل فضيلة الشيخ النابلسي: «لو سألت إنسانا ماذا تعمل؟ فلن يقول لك: كنت طبيبا، إذ ذهبت كل المعلومات مع تبدل المخ، فمن نعم الله العظمى أن المخ لا يتبدل.
وكما أن المخ ثابت بمعلوماته وعلمه ومهاراته وخبراته وذكرياته، هكذا الحال مع خلايا القلب فلا تتبدل أيضا، وحكمة ثبات المخ معروفة، فما بالنا بثبات القلب، فهذا يعود إلى حكمة الله عز وجل بقوله: «لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا» (سورة الحج).
وإذا كانوا قديما يعتبرون القلب مجرد مضخة للدم، فقد تغير الوضع مع بدايات القرن الحادي والعشرين خاصة مع تطور عمليات زراعة القلب الطبيعي، والقلب الاصطناعي. فقد رصد الباحثون ظاهرة غريبة ومحيرة لم يجدوا لها تفسيرا حتى وقتنا الراهن، وهي ظاهرة تغير الحالة النفسية للمريض بعد عملية زرع القلب. هذا التغير يكون بشكل كبير بعد استبدال قلب المريض بقلب طبيعي أو قلب صناعي. إذ لاحظوا تبدل ما يحبه هذا المريض وما كان يكرهه، بل وتؤثر على إيمانه. ولم يكن غريبا مع تقدم العلم اكتشاف أن القلب يتكون في الجنين قبل المخ، ليبدأ بالنبض منذ تشكله وحتى موت الإنسان. لم يكن هذا هو الاكتشاف الوحيد عن القلب، فثمة رصد لظاهرة أخرى نظرا لاعتقاد العلماء أن المخ هو الذي ينظم نبضات القلب، إلا أنهم لاحظوا أمرا غريبا أثناء عمليات زرع القلب، فالقلب الجديد يبدأ بالنبضان فورا بمجرد وضعه في صدر المريض دون أن ينتظر توصيلات المخ، معنى ذلك أنه يعمل من تلقاء ذاته، وتم اكتشاف هذه الحقيقة أثناء زرع القلب. والمعنى المقصود أنه ربما يعمل القلب مستقلا عن المخ، بل يزيد الأمر باعتقاد آخر وهو أن القلب هو الذي يوجه المخ في عمله.

وثمة أكثر من قصة توضح ما نذكره من أن القلب هو مركز المشاعر وبعض السلوكيات وعلى رأسها الحب، الأولى من فرنسا، إذ تم زراعة قلب لامرأة من شاب كان عمره 18 عاما مات في حادث سير، وتبدلت تصرفاتها وسلوكياتها بعد الزراعة، فأخذت تتصرف بطريقة ذكورية، وأحبت بعض الأكلات غير التي اعتادت عليها في السابق، وعندما بحثت في تغير تصرفاتها عمدت إلى لقاء أسرة الشخص المتبرع بالقلب، فاكتشفت أن تصرفاتها تشابه تصرفات هذا المتبرع المتوفى. واستدل العلماء من ذلك على وجود ما يدعى بـ«ذاكرة الخلية»، وهي ليست في المخ فحسب بل كل خلية لها ذاكرة. وقصة أخرى لفتاة تم نقل لها قلب شاب كان يكتب الشعر ويعزف الموسيقى ويغني قبل وفاته في حادث سير، لتكتشف بعد العملية الجراحية أنها تعزف نفس موسيقى الشاب وتغني أغنياته المفضلة، ثم تأكدت من أسرته أنهما أصبحا يشتركان في نفس المواهب والاهتمامات تقريبا.
ورغم كل ما سبق، فثمة اختلاف حتى يومنا الراهن بين العضو المسؤول عن المشاعر بكافة أنواعها ما بين حب وبغض ولين وقسوة وخلافه، فرغم إدراكنا جميعا أن القلب هو الذي يحرك المشاعر، إلى هنا الأمر ممتاز، ولكن ثمة من يتدخل ويقول إن مشاعر الإنسان تعمل بدوافع من تفكيره أيضا. ولكني ربما أختلف مع هذا المنطق، خاصة إذا ضربنا مثلا عن الزواج قديما، فعندما كان يتقدم أي عريس مجهول للعروس بدون سابق معرفة أو علاقة أسرية أو جيران وخلافه، كانت ترفضه في البداية بحجة أنها لا تعرفه ولا تعرف شيئا عنه، فما كان من الأمهات حينذاك سوى إسداء النصائح لبناتهن في جملة واحدة لا تتغير مهما تغير الزمان والمكان: «الحب يأتي بعد الزواج والعشرة». وفي تقديري فإن هذا منطق سليم وعقلاني رغم أن النتيجة ترتبط بالمشاعر، فالحب يأتي بالعشرة بعد الزواج، ويتولد بين الزوجين إذا أحسن أحدهما معاملة الآخر وتقرب بلطف ومودة إليه بصفة مستمرة، وأمامنا قصص نجاح أجدادنا وآبائنا في تأسيس أسر قوية بنيت على أساس الحب والاحترام والمودة، فكان الحب الذي ربما ينهار إذا أساء أحد الطرفين معاملة الآخر أو عامله بطريقة جافة بعيدة عن مشاعر الحب والمودة والحنان، وهي كلها مشاعر يبثها القلب.

ومن أفضل ما قرأت في هذا المجال، أن القلب ينظر إلى الحب على أنه بطولة، في حين يتصور العقل الحب على أنه «بطالة»، وشتان بين المعنيين والشعورين، فهل تتحول البطولة إلى بطالة، يا لها من سخرية حقا وليذهب العقل إلى الجحيم إذا كان هذا رأيه في أحلى مشاعر في الوجود. فمشاعر الحب «البطولة» تجمع ولا تفرق، مشاعر تجعلنا نعيش اليوم وننظر للغد بعيون متفائلة وقلوب عامرة مفعمة بالحب والمودة والحنان، أما إذا غلبنا العقل في حياتنا سنجعل من الحب جريمة يعاقبنا عليها، فهو يراه «بطالة» ويحذرنا منها، وكيف هذا والحب هو مثل النبتة التي تزهر فجرا وتظل مشرقة لحين غروب الشمس. فويل لنا كل الويل إذا غلبنا عقولنا في مشاعرنا، ستحولنا حقا إلى آلات نسير بها مثل التروس في عملية منتظمة بعيدة كل البعد عن المشاعر الطيبة والحب أسمى معاني الوجود.
ومن معلوماتي التي قرأتها وأعجبتني وأتذكرها حتى الآن، تشبيه البعض «العقل والقلب» بشاطئ النهر، فهما يحفظان ماء هذا النهر ويضمنان استمرار تدفقه، ولكن إذا أسيئ استخدام أحد الشاطئين -أو كلاهما- فإن الماء سيهدر ويضيع ويتسرب ولن نستفيد منه، هذا بالضبط التوافق بين القلب والعقل، العاطفة والفكر، الروح والجسد، بما يضمن سير الإنسان في الطريق الصحيح. ولكن الأهم هو أن نحب ونمنح قلوبنا الفرصة لتحب وتملأ حياتنا الحب والسعادة والفرحة والبهجة، فالحب الحقيقي هو الذي يعوضنا عن مشكلات الحياة ويجعلنا نتواءم معها، وثمة معنيين للحب، أن نعيش لنحب وأن نحب لنعيش.

كاتب ومحلل سياسي بحريني