فيصل بن صالح المسكري
كما هو معلوم في عصر ما يُسمى بالعولمة فإن مفهوم الاستثمار هو اكتساب الموجودات المادية والمعنوية المتاحة في أي بيئة بتوقيت زمني معلوم بقصد الحصول على مكاسب وإيرادات مادية أو معنوية مستقبلية، فقد تكون مادية تتمثل في شكل ربح يصب لمصلحة البلاد من خلال زيادة معدلات النمو والإنتاج والفرص الاقتصادية وانخفاض نسبة الباحثين عن العمل وزيادة القوة الشرائية وتعظيم الأرباح والقيمة المضافة ومنها ارتفاع مستوى المعيشة وصولاً إلى الحياة الكريمة، وقد تكون معنوية تصب في إطار مصلحة الفرد ذاته في المقام الأول.
إذن فالاستثمار في العنصر البشري بعد إجماع دول العالم هو غاية يمكن إدراكها لتحقيق التنمية بمفهومها الشامل لكافة المجالات، ولذلك نجد أن مختلف الدول المتقدمة تنفق مبالغ طائلة من إجمالي موازناتها العامة على التعليم والاهتمام بالبحث العلمي والتطوير، بحيث اعتبرت الموارد البشرية من المقاييس الرئيسية التي تقاس بها ثروات الأمم والشعوب باعتبار أن لهذه الموارد أهمية جوهرية في التركيبة الرأسمالية والأصول الثابتة إن صح التعبير والمؤثرة في الأوضاع الاقتصادية للدول، حيث أصبح هذا العنصر المؤهل ودرجة كفاءته هو العامل الحاسم لتحقيق الغاية المنشودة للتقدم والرخاء الاقتصادي، وكما أشار علماء الاقتصاد منذ زمن طويل إلى أهمية هذا العنصر في تحقيق أي نمو حيث أكد ادم سميث في كتابه الشهير «ثروة الأمم» أن كافة القدرات المكتسبة والنافعة لدى سائر أعضاء المجتمع تعتبر ركناً أساسياً في مفهوم رأس المال الثابت وحقيقةً أن اكتساب القدرة أثناء التعلم يكلّف نفقات هائلة ومع ذلك تعدّ هذه المواهب جزءاً مهماً من ثروة الفرد التي تشكل بدورها جزئيةً رئيسيةً من ثروة المجتمع الذي ينتمي إليه، أيضاً فإن الفريد مارشال أكد على أن رأس المال الذي يستثمر هو في الإنسان نفسه، إذ عن طريق الإنسان تتقدم الحضارات ولا تقوم إلا إذا ما توافرت لها المقومات الأساسية والأرضية الصلبة وعلى رأسها حب العمل.
والاقتصاد ذاته ذو قيمة متدنية إن لم يستغل في سبيل التقدم من خلال القوى البشرية التي تحول الكنوز الكامنة من مجرد كميات نوعية إلى تفجير طاقات متنوعة تستجيب لتحقيق الرؤية المنشودة من الرخاء الاقتصادي والاجتماعي باعتباره استثماراً وطنياً مهماً والأمثلة عديدة على تأثير الاستثمار البشري في تحقيق الرخاء والنمو فنجد دولة مثل جمهورية الصين الشعبية صاحبة البليون ونصف البليون نسمة من البشر على امتداد رقعتها الجغرافية تخطو بخطى ثابتة ومدروسة نحو قيادة العالم الاقتصادي المتنامي من خلال الثروة البشرية الهائلة غير آبهة بالكثافة السكانية المتزايدة والتي جعلت منها نموذجاً يحتذى به وميزة تميزها عن باقي الشعوب والأمم، ولم تجعل منها عبئاً ثقيلاً تلقي عليها فشلها الذريع كما تفعل الكثير من دول العالم النامي، لاسيما الإمبراطورية اليابانية على صغر حجمها وشح مواردها وكثرة كوارثها وتباين تضاريسها وغيرها العديد من دول جنوب شرق آسيا أو بما يسمى بالنمور الآسيوية أرادت حقاً أن تكون رقماً فكانت كذلك فقد حققت معدلات نمو عالية جداً في اقتصادياتها خلال فترات وجيزة واستطاعت بحسن التدبير أن تتخطى حاجز الفقر والتخلّف وأن تتبوأ مكانة مرموقة يشار إليها بالبنان بين محافل دول العالم ارتكازاً وانطلاقاً لما لديها من كفاءات بشرية مؤهلة ومؤمنة بمبدأ التغيير لذلك حرصت منذ الوهلة الأولى على تنميتها وتأهيلها وفق ما هو متاح لديها وتمكينها من النهوض كونها أيقنت وآمنت بحقيقة تضافر الجهود والإمكانيات فقد أحسنت في توظيف برامج التخطيط الاستراتيجي لطرح ما هو هادف ويخدم لتنمية هذه الثروة على مدار عقود من الزمان ونجحت فيما خططت ونفّذت وتابعت وقيّمت عن كثب وهذا هو ما تفضل به مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم- حفظه الله ورعاه- في خطابه السامي بمناسبة تخريج الدفعة الثانية من طلبة وطالبات جامعة السلطان قابوس «إن بناء الإنسان وتدريبه وشحذ قدراته الإبداعية عملية شاقة ولكنها ضرورية ولازمة ونحن لن نألو جهداً ولن ندخر وسعاً في سبيل توفير فرص التدريب الجيّد للشباب العُماني».
كما أن ما يشهده عالم اليوم من طفرة اقتصادية وتكنولوجية يرجع الفضل في ذلك إلى ما تم تبنّيه وتأهيله مسبقاً من قدرات ومهارات صقلت باحترافية عالية المستوى هي لأفراد من العنصر البشري وليست ثروات مكنوزة لذلك يعود سبب تأخر بعض بلدان العالم اليوم رغم غناها بالثروات الطبيعية إلى طمر تلك المواهب الواعدة وتهميش التخطيط السليم وتغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة.
فالعنصر البشري بما أنعم الله عليه من المقدرة على التجديد والإبداع والاختراع والابتكار والتطوير مكنه أن يتغلب على ندرة الموارد الطبيعية وألا يجعلها عائقاً نحو التقدم عن طريق الاستغلال الأمثل وتحفيز طاقات المجتمع العلمية والعملية فضلاً عن الاستغلال المقنن للموارد الطبيعية والاستثمارات المتاحة، ومما لا شك فيه أنه إذا كان العنصر البشري متعلماً ومثقفاً ومبدعاً ومنتجاً فمن البديهي أن يكون عطاؤه أكبر وأكثر وانعكاس ذلك سيترتب إيجاباً على نفسه ووطنه في عالم يشهد التنافس والتطاحن في كل شيء بلا استثناء ولا يوجد فيه مكان لجاهل أو لبلد ضعيف ومتخلّف باعتبار أن الرأسمال البشري والتنمية البشرية هما العمود الفقري، والعالم كما نشاهده اليوم عبر مختلف مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها يعيش تحولات جذرية في شتى الميادين وهذا ما أشار إليه وأكده المقام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم- أعزه الله- بمناسبة العيد الوطني التاسع والعشرين المجيد «على المجتمع العُماني حكومةً ومواطنين إدراك مدى ضرورة الاستعداد لمجابهة تحديات العولمة وذلك من خلال تطوير القدرات الوطنية».
وإذا كان لا بد من كلمة أخيرة في هذا المجال فإنه أصبح من الضرورة الحتمية التي لا مناص عنها فيما فرضته المتغيّرات الاقتصادية هو تهيئة الإنسان العُماني ومنحه أولوية قصوى في شتى برامج التنمية المستقبلية المستدامة وتشجيعه وتحفيزه وتسخير وتذليل كافة الإمكانيات فهو استثمار متجدد يتميّز بإمكانيات ومكاسب عظيمة لا يستهان بها إذا ما قدّر له الاهتمام بالعلم والتقنية والبحث والأخذ بأسباب التطوير الشامل وتوفير المناخ الملائم والحيوي لها والذي يكفل النماء المطرد والمشاركة الحقيقية في صياغة مستقبل البلاد، والعُمانيون كما عُرف عنهم منذ الأزل بأنهم رواد حضارة، والإنسان في كل التجارب الناجحة للأمم والشعوب والحضارات هو غايتها وهدفها وصانعها يجني ثمارها ويسعد ويرتقي بمكاسبها وهو بلا أدنى شك بنفس المستوى من الأهمية وسيلة التنمية وأداتها الفعالة لتجسيد خططها وبرامجها إلى واقع محسوس ملموس يحقق الخير العميم للجميع.