
ساومير سيراكوسكي
وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرا إلى بولندا، إذ التقى مع زعماء وسط وشرق أوروبا في قمة مبادرة البحار الثلاثة. كما ألقى ترامب خطابا إلى الشعب البولندي.
إن قرار ترامب بزيارة وارسو ليس من قبيل الصدفة، ويمكن أن يكون له عواقب بعيدة المدى على الاتحاد الأوروبي، وكذلك بالنسبة لوضع بولندا في الاتحاد. فالسياسة الخارجية البولندية اليوم ممزقة بين رؤيتين متنافستين. هناك الخيال اليميني حول إحياء مشروع إنترماروم ما قبل الحرب العالمية الثانية، والذي من شأنه إعطاء بولندا دورا قياديا مهما في المنطقة. أما الطرف الآخر، الذي أكدته المعارضة، فيتوخى توثيق التعاون داخل مثلث فايمار (فرنسا وألمانيا وبولندا).
ومع ذلك، فإن الجانبين متحدان في اعتقادهما أن بولندا يجب أن يكون لها تحالف قوي مع الولايات المتحدة، وينبغي أن تدعم استقلال أوكرانيا (رغم أن اليمين يلقي بعض المظالم ضد أوكرانيا لمختلف التجاوزات التاريخية).
وتشمل مبادرة البحار الثلاثة 12 بلدا من أستونيا إلى كرواتيا، في محاولة لتحسين التعاون الإقليمي في مجال الطاقة والاتصالات. ومن خلال إيجاد ثقل موازن لمشروع نورد ستريم الألماني-الروسي، الذي يدعم احتكار روسيا للطاقة في أوروبا على حساب التضامن الأوروبي، تمثل مبادرة بولندا أيضا عرض الدولة الخاص للقيادة الإقليمية. وبطبيعة الحال، فإن المشاركين في البحار الثلاثة يشكلون الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي، إذ تقوم الولايات المتحدة بنشر قواتها ردا على العدوان الروسي في أوكرانيا.
إذن، ما هو سبب زيارة ترامب؟ أولا، يريد هو وزعيم بولندا الفعلي جاروسلاو كاكزينسكي أن يظهرا بصفة قائدين محبوبين ولهم العديد من الحلفاء، وليسا معزولين أو شخصيتين لا تحظيان بشعبية كبيرة. ويذكر أن ترامب قد أجل إلى أجل غير مسمى خطته الأولية لزيارة المملكة المتحدة، إذ كان سيتسبب في احتجاجات كبيرة. وفي بولندا، يمكن أن يلقى ترحيبا من الناس.
وهذا أيضا ليس من قبيل الصدفة. يقوم كاكزنسكي بتوفير حافلات لما يقرب من 300 عضو برلماني، الذين سيجمعون المؤيدين من مختلف الدوائر الانتخابية. ويرى كاشينسكي بوضوح أن هذه فرصة للقيام بعرض للاستهلاك المحلي، وذلك باستخدام زيارة ترامب لإثبات أن بولندا زعيم إقليمي، وليس بلدا غير مرغوب فيه.
أما بالنسبة لترامب، الذي لا يزال يتخيل نفسه رجل أعمال أكثر من سياسي، فإن الغاز الطبيعي يوفر فرصا لعقد الصفقات وإيجاد فرص العمل. لكن، بالنسبة لأوروبا، يمثل الغاز أهمية أكبر من ذلك. فبالنسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الغاز سلاح سياسي، وبالنسبة لبولندا، يعد وسيلة أمنية، أما لألمانيا، فهو كلاهما. وتعتبر إدارة ترامب ألمانيا منافسا اقتصاديا، وتعدها بولندا تهديدا أمنيا محتملا بسبب تحالفها مع روسيا. وإذا وافق الكونجرس الأمريكي على فرض عقوبات جديدة تحظر التعاون مع الشركات المعنية مع مستوردي الطاقة الروس، فإن مستقبل نورد ستريم سوف يصبح موضع تساؤل. ومن شأن ذلك أن يقوض المصالح الاقتصادية الألمانية ويوجد فرصة للولايات المتحدة لبيع الغاز إلى أوروبا.
وكما هو الحال الآن، وصل أول تسليم للغاز الطبيعي المسال الأمريكي مؤخرا إلى محطة وقود جديدة في سوينوجسي. ولتحقيق الاستقلال الاقتصادي والسياسي من روسيا، وإقامة محور بين الشمال والجنوب كبديل عن محور الشرق والغرب المهيمن، فإن مصلحة بولندا أن تستمر عمليات التسليم هذه.
والواقع أن الدافع الأخير لرحلة ترامب إلى بولندا هو نزع فتيل التحقيقات الجارية في الداخل حول العلاقات بين حملته الانتخابية وروسيا. ومن خلال الحديث في بولندا، التي كانت تعتبر تقليديا ناقدا صوتيا لروسيا في المنطقة، قد يأمل ترامب في إزالة الشكوك.
في كلتا الحالتين، تعتبر الحكومة البولندية زيارة ترامب نجاحا كبيرا، وعلامة على أن بولندا «ستسترجع مكانتها». ولا يمكن أن تهدد هذه الزيارة علاقات بولندا بأقرب حلفائها: فرنسا وألمانيا.
وفي الوقت نفسه، من المستبعد جدا أن ينهار التعاون الروسي الألماني في مشروع نورد ستريم. لم تكن لدى المفوضية الأوروبية، التي كانت مؤيدة قوية لبولندا في مساعيها لاستقلال الطاقة، مصلحة في معارضة ألمانيا، وهي الآن على خلاف مع حكومة حزب القانون والعدالة حول العديد من القضايا. كما لا تستخدم بولندا اليورو، وهي تنتهك حاليا سيادة القانون ومعايير الاتحاد الأوروبي الأخرى، كما رفضت المشاركة في استجابة الاتحاد الأوروبي للاجئين. في هذه المرحلة، ربما قد فُقِدت الفرصة الأخيرة لإدماج بولندا في إطار الدفاع الأوروبي بالفعل. فقد أعد ترامب وكاتشينسكي عرضا مدهشا للغاية. لكن الخيال يمكن أن تكون له عواقب وخيمة.
مدير معهد الدراسات المتقدمة في وارسو