خمس حقائق عن الإرهاب

مقالات رأي و تحليلات الخميس ١٨/فبراير/٢٠١٦ ٠٠:٤٠ ص

جوزيف س. ناي

لقد استولى الإرهابيون على السياسة الأمريكية في ديسمبر 2015، أظهرت الاستطلاعات أن واحدا من ستة أمريكيين، حوالي 16 % من السكان، قاموا بتعريف الإرهاب كأهم مشكلة وطنية اليوم، أكثر من مجرد 3 % في الشهر السابق. وهذه أعلى نسبة من الأمريكيين الذين ذكروا الإرهاب كمشكلة في عشر سنوات، على الرغم من أنها لا تزال تقل عن 46 % التي تم قياسها بعد الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر 2001.

لقد كان تأثير هذا التغيير في الرأي العام قويا بشكل خاص في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري. وبالتأكيد زاد من شعبية المرشح دونالد ترامب، الذي كان خطابه المعادي للمسلمين صعبا بشكل خاص (إن لم يكن حارقا). وقد بدأ بعض السياسيين يسمون المعركة ضد الإرهاب بـ «الحرب العالمية الثالثة».

الإرهاب مشكلة بالنسبة للولايات المتحدة، كما أظهر الهجوم الذي وقع في سان برنارد ينو بولاية كاليفورنيا في ديسمبر. لكن تم تضخيم الحدث من قبل كل من المرشحين للرئاسة ووسائل الإعلام الذين تمسكوا بالمثل القديم القائل «إذا كان ينزف، فسوف يقود». ولمقاربة الإرهاب من المنظور الصحيح، يجب على الأمريكيين وغيرهم أن يضعوا في الحسبان الاعتبارات التالية.
إن الإرهاب شكل من أشكال المسرح. يهتم الإرهابيون بجذب الانتباه ووضع قضيتهم في الواجهة أكثر مما يهتمون بعدد الوفيات التي يسببونها. و تولي (داعش) اهتماما دقيقا لصناعة المسرح. والهدف من عمليات قطع الرؤوس الهمجية التي تم نشرها وبثها من خلال وسائل الإعلام الاجتماعية صدم الرأي العام وإثارة الغضب وبالتالي جذب الانتباه. وإذا بالغنا في تأثيرهم وجعلنا من كل عمل إرهابي عمودا رئيسيا، سنصبح لعبة في أيديهم.

إن الإرهاب ليس أكبر تهديد يواجه الناس في الدول المتقدمة. يقتل الإرهاب عددا أقل بكثير من الناس ضحايا حوادث السير أو التدخين. ولا يشكل الإرهاب تهديدا كبيرا ولا حتى صغيرا في واقع الأمر. فمن المحتمل أكثر أن يموت شخص بضربة صاعقة من أن يقتل على يد إرهابي.

في تقدير الخبراء يشكل احتمال تعرض أمريكي سنويا لخطر القتل على يد إرهابي واحد من 3.5 مليون. فالأمريكيون أكثر عرضة للوفاة في حوادث الاستحمام (واحد من 950,000)، الأجهزة المنزلية (واحد من 1.5 مليون)، حادث غزال (واحد من اثنين مليون)، أو على طائرة تجارية (واحد من 2.9 مليون). ويموت ستة آلاف من الأمريكيين سنويا بسبب الرسائل النصية أو التحدث على الهاتف أثناء القيادة. وهذا يفوق بمئات المرات نسبة الموت بسبب الإرهاب. إن الإرهاب الإسلامي المتطرف يقتل الأميركيين بنسبة أقل من هجمات إطلاق النار التي يشنها قناصون مستاؤون من العمل والمدرسة. فالإرهاب ليس هو الحرب العالمية الثالثة.

إن الإرهاب العالمي ليس شيئا جديدا. وعادة ما يستغرق إنهاء موجة إرهابية جيلا كاملا. في بداية القرن العشرين، قامت الحركة الفوضوية «الأنا ركية» بقتل عدد من رؤساء الدول من أجل مثل طوباوية. وفي عامي 1960 و 1970، قام «اليسار الجديد» الألوية الحمراء وفصيل الجيش الأحمر بخطف الطائرات عبر الحدود الوطنية وبخطف وقتل رجال أعمال وقادة سياسيين (وكذلك المواطنين العاديين).
ويشكل المتطرفون الجهاديون اليوم ظاهرة سياسية تحظى بشيء قليل من الاحترام لأنها تختبئي في ثوب ديني. فالعديد من القادة ليسوا أصوليين تقليديين، بل أناس تم اقتلاع هويتهم من قبل العولمة ويبحثون عن معنى في مجتمع خيالي لخلافة إسلامية خالصة. إن هزمهم سيتطلب وقتا وجهدا كبيرين، لكن طبيعة داعش الضيقة تحد من نطاق جاذبيتها. وبسبب الهجمات الطائفية التي تشنها، لن تستطيع حتى مناشدة جميع المسلمين، ناهيك عن الهندوس والمسيحيين وغيرهم. وسوف يهزم تنظيم داعش في النهاية، تماما كما حدث للإرهابيين الآخرين عبر الحدود الوطنية.
الإرهاب هو مثل المصارعة اليابانية «جيو جيتسو». يستخدم الممثل الأصغر قوة الفاعل الأكبر لإلحاق الهزيمة به. ولا يمكن لأي منظمة إرهابية أن تضاهي قوة الدولة، وقد نجح عدد قليل جدا من الحركات الإرهابية في إسقاط نظام دولة. لكن إذا كان بإمكانها إثارة غضب وإحباط مواطني الدولة باتخاذ إجراءات الدفاع عن النفس، فيمكن أن تأمل السيادة. لقد نجح تنظيم القاعدة في استدراج الولايات المتحدة إلى أفغانستان في العام 2001. وولد تنظيم داعش في ركام غزو الولايات المتحدة للعراق.
نحن في حاجة إلى القوة الذكية لهزيمة الإرهاب. القوة الذكية هي القادرة على جمع القوة العسكرية والشرطة والقوة الناعمة في الجذب والإقناع. هناك حاجة إلى القوة الصلبة لقتل أو اعتقال الإرهابيين المتشددين لأن عددا قليلا منهم فقط قابل للجذب أو الإقناع. وفي الوقت نفسه، هناك حاجة إلى القوة الناعمة لتحصين من يحاول المتشددون تجنيدهم.
لهذا السبب يعتبر الانتباه إلى الخطاب وكيفية استخدام الولايات المتحدة لوسائل الإعلام الاجتماعية شيئا ضروريا ومهما مثل الضربات الجوية الدقيقة. إن الخطاب العدائي الذي ينفر المسلمين ويضعف استعدادهم لتقديم المعلومات المهمة يهددنا جميعا. و هذا هو السبب في كون المواقف المعادية للمسلمين من بعض المرشحين الحاليين للرئاسة تؤدي إلى نتائج عكسية تماما.
إن الإرهاب يشكل مسألة خطيرة، ولهذا يستحق أن يكون على رأس أولوياتنا في المخابرات والشرطة والجيش والوكالات الدبلوماسية. وهو عنصر مهم في السياسة الخارجية. ومن الضروري إبقاء أسلحة الدمار الشامل بعيدة عن أيدي الإرهابيين.
لكن يجب علينا عدم الوقوع في فخ الإرهابيين. لنترك عمل السفاحين المشين في مسرح فارغ. فإذا أتحنا لهم السيطرة على المسرح الرئيسي للخطاب العام الخاص بنا، فإننا سوف نقوم بإضعاف جودة حياتنا المدنية وتشويه أولوياتنا. وسوف تستخدم قوتنا ضدنا.

أستاذ في جامعة هارفارد،

ومؤلف كتاب «هل انتهى القرن الأمريكي؟»