الإعلام وبناء وعي المواطنة ووعي التنمية

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٠٣/يوليو/٢٠١٧ ٠٤:٤٥ ص
الإعلام وبناء وعي المواطنة ووعي التنمية

محمد بن محفوظ العارضي

للإعلام قوة قد لا توازيها أي قوة أخرى، وعامل أساسي في تكوين التوازنات وتوجيه الصراعات وحسمها. هذا ما أثبتته الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي، لكن الأهمية الكبرى للدور الإعلامي تكشفت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وبدء موجة الثورات الملونة التي صنع الإعلام أيديولوجيتها وجند الجماهير خلف رأي عام موحد قد لا يتشابه مع الواقع في شيء.

الإعلام يصنع الثقافة التي تولِّد أفعال الجمهور ومسلكياته، فكيف نستفيد منه في صنع ثقافة منتمية وملتزمة بالمواطنة وبمشاريع التنمية؟ وكيف نجعل منه عامل استقرار في مرحلة مضطربة؟ والأهم كيف نوائم بين خططنا التنموية التي يتضمنها برنامج «تنفيذ» وبين خططنا الإعلامية التي تنقل منجزاته للجمهور؟ وكيف نعزز القناعة بجدوى هذه المنجزات لصنع الاستقرار؟ فالاستقرار عامل حاسم في مشروع التنمية وفي ثبات المخططات المستقبلية.

لقد أثبتت الأحداث الإقليمية التي بدأت منذ مطلع العقد الثاني من الألفية الجديدة، أن الحكومات مهما أخلصت في نواياها التنموية، لا يمكن لها أن تنجح في صناعة صورة ذهنية تعكس هذه النوايا بدون إعلام مؤدلج وموجه نحو بناء صورة مشرقة للدولة في أذهان الجمهور. الصورة الذهنية التي يرسمها الإعلام تفوقت على الواقع، بدليل أن الكثير من الدول التي أبدعت منجزات تفوقت فيها على غيرها ولم توظف إعلامها للترويج لها ظلت تعاني من انعكاسات صورتها القديمة على الساحتين الدولية والإقليمية.
لقد عززت أمريكا -على سبيل المثال- من مكانتها كرائدة للحلم الديمقراطي من خلال عدة مقولات ساهمت في تشكيل وعي المواطنة لدى الأمريكي، فمقولة الحلم الأمريكي، أرض الحريات، أرض الفرص، أشد ثباتًا في ذهن الجمهور الغربي وحتى الشرقي من أي حقيقة أخرى قد ينتجها الواقع السياسي أو الاقتصادي في أمريكا، وهذه جميعها مقولات تبنتها المؤسسات الإعلامية والأكاديمية والفنية الضخمة، مثل وكالات الأنباء وهوليوود وهارفرد.

في المقابل عجزت الكثير من الدول عن الوصول إلى وعي جمهورها لأنها أهملت هذا الجانب الإعلامي الأيديولوجي، وهذا ما يفسر اندلاع الاضطرابات بحجة المطالبة بالديمقراطية في دول تتبنى مجانية التعليم والعلاج وتسير بخطى سليمة على طريق التنمية، ونتساءل ما الذي يفجر غضب المواطن الذي يعيش في دولة توفر التعليم والعلاج المجاني والرعاية الاجتماعية الملائمة لأبنائها؟! ما الذي يدفعه إلى المغامرة بهذه المنجزات سعيًا وراء وهم صنعته ماكينات الإعلام؟! فيأتي الجواب مدعومًا بالوقائع المرة التي يكابدها عالمنا العربي، إنها الدعاية الإعلامية التي تفوق في سطوتها وتأثيرها الوقائع كافة.

من المؤسف أن نقر بهذه الحقيقة، ومن المؤسف أن يكون وعي الجمهور عرضة للاحتلال الإعلامي الذي يناقض واقعه المعاش، ومن المؤسف أيضًا أن نقر بأن الدول العربية لم تستطع ولسنوات طويلة منافسة الإعلام الآخر، فتركت جمهورها عرضة لتأويلات وتفسيرات هذا الآخر حتى باتت الدعاية الإعلامية المضادة تقرر مصير الشارع العربي وتحدد له مستقبله. ولكن الأسف الأكبر سيكون من نصيبنا مرةً أخرى إذا لم نتنبه لهذه الحقيقة وإذا لم نبدأ ببناء إعلامنا الوطني الخاص القادر على المنافسة وعلى الشراكة الحقيقية في برنامجنا التنموي، إعلام يناصر الحقيقة ويحميها من التزييف والضياع، إعلام يجادل ويحلل ويفند كل فكرة دخيلة على منظومة وعينا وثقافتنا فيستقبل المفيد ويحجب الضار.

لقد وصلنا اليوم في سلطنة عمان الحبيبة إلى مرحلة مهمة من مراحل برنامج «تنفيذ»، لقد كشف هذا البرنامج، ليس عن مقدراتنا المادية الهائلة التي تعد بفرص واعدة في القطاعات كافة فحسب، بل أظهر ما تمتلكه السلطنة من ثروات وطاقات بشرية عظيمة، واستحضر الجذور الحضارية والتجربة السياسية والاجتماعية للشعب العماني لتكون عاملًا من عوامل نجاحه، فالتنمية والتنوع والاستدامة التي يستهدفها برنامج «تنفيذ» ليست مستجدات على مسيرتنا التاريخية الطويلة، بل هي تتويج لما راكمته تجربة هذا الشعب في الإيمان بذاته وبوحدته وبانسجامه، وأنا أتمنى أن يتناول الإعلام برنامج «تنفيذ» من مدخل كونه استكمالًا للمشروع الحضاري لهذا الشعب، فلا يكتفي بنقل الوقائع أو حتى استعراض المنجزات بشكل مجرد، بل يجب أن تهضم هذه المنجزات وتتحول إلى ثقافة ووعي وقيم وأخلاقيات تضاف لموروثنا العماني العريق. إن السبب الأساسي لاستقرار وحصانة الكثير من المجتمعات والأمم، هو إحساسها بتفوقها الحضاري، فهذا الإحساس يجعل المجتمعات والأمم عصية على الاختراق وعلى الوقوع في مخططات وأجندات الغير، وهذا يستوجب أن تكون صورة مستقبل الأمة في أذهان الجمهور نتاجًا لجهده وعمله الدؤوب، وليس كما عكفت بعض وسائل الإعلام العربي على الترويج بأن الآخر يمتلك تجربة حضارية متفوقة وكل ما علينا فعله هو نسخها، وحتى ننجح في هذا النسخ علينا أن نتمثل ثقافة وهوية وعادات هذا الآخر. هذه الآلية في نقل تجارب الآخر تعزز الهوة بين الجمهور والمواطنة، وتخلق ثغرات في الثقافة والوعي لتنفذ منها الدعايات المضادة.

إن قدرة المؤسسات الإعلامية على الربط بين الانتماء والهوية والمواطنة والانسجام الاجتماعي من ناحية وبين التنمية والتقدم من ناحية ثانية، على قاعدة أن هذه القيم بمجموعها شرط لنجاح التنمية يحدد بلا شك مصير مشروع التنمية في السلطنة، وعلى نطاق أوسع، إذا استطاعت وسائل الإعلام الوطنية العربية أن تتخلص من جمودها ومحدوديتها في مخاطبة الجمهور، وأصبحت فاعلة في بناء هويته وتعزيز انتمائه فستؤثر بشكل كبير على فاعلية مخططات التنمية كل بلد.

على الإعلام أن يقلص المسافة بين الجمهور ومسؤولياته، فلا يبقيه مجرد متفرج ومتلق للمعلومة خاصة في كل ما يتعلق بالاقتصاد والتنمية، لأنها بهذه الطريقة تضع الجمهور في مكانة الحَكَم وليس الشريك، وهذه المكانة تعفيه من مسؤولياته حول مصير مشاريع التنمية.

إن تعزيز قيمة المسؤولية لدى المواطن تجاه مصير التنمية في بلده تجعله أكثر اقترابًا من السياسات العامة، فتصبح العلاقة بينه وبين المؤسسة الرسمية علاقة جدل وحوار حول مستقبل ومصير بلده، وليس علاقة خلاف واستياء كما هو سائد اليوم.

خلاصة القول، إن وعي المواطنة هو جوهر الوعي التنموي، وأساس المشروع الحضاري لكل أمة، هذا المشروع الذي لا يصح إلا أن يكون نتاجًا ذاتيًا من العمل المشترك في إطار الانسجام والوحدة الاجتماعية. وبما أن هذه المهمة تعدُّ ثقافية بامتياز، فإن الإعلام الوطني هو المسؤول المباشر عن نجاحها أو عن فشلها لا قدر الله.

رئيس مجلس الإدارة التنفيذي - إنفستكورب