
علي ناجي الرعوي
في حين ينهمك اليمنيون في خلافاتهم وانقساماتهم ومناكفاتهم وعداواتهم ينهمك قادة التحالف العربي في مراجعة وتقييم مدى النجاح والفشل الذي تحقق أو لم يتحقق طوال ما يقارب العامين ونصف العام على تدخلهم العسكري والوقوف كما كشفت بعض التسريبات على المسارات العسكرية والميدانية والسياسية وإذا ما كانت المستجدات المضافة على الواقع تصب في مصلحة الاستمرار في الخيار العسكري أم إن هذا الخيار قد استنفد مبرراته وحان الوقت للبحث عن تصور سياسي واضح يسمح لقيادة التحالف بتغيير قواعد الاشتباك والانتقال تدريجياً إلى الضفة الأخرى بمد أنابيب الأكسجين في رئة الحلول السياسية خصوصاً بعد أن وصلت الأوضاع في اليمن إلى لحظة زمنية حرجة لم تعد تحتمل لا إقليمياً ولا دولياً أو حتى داخل التحالف العربي الذي يشهد خلافاً بشأن جدوى مواصلة الحرب؟
وإذا ما صحت هذه التسريبات فإن قيادة التحالف تحتاج الآن لتصور سياسي لوقف الحرب إذ ليس بإمكانها التراجع فجأة وهو ما قد يراه البعض فشلاً في مهمتها وبالتالي فهو الذي قد يحمّلها المسؤولية القانونية والأخلاقية للحرب التي اتخذت تداعياتها أشكالاً شتى تتعدى الدمار والقتل والمفقودين والمعطوبين والمشردين لتُوجِد في سياقاتها وخسائرها المختلفة واقعاً متفجراً بالأحقاد والضغائن والانقسامات التي تسقط فيها كل اليقينيات الوطنية والجمعية ورغم هذه التعقيدات فما زال بإمكان التحالف العربي إيجاد المعالجات التي تساعد اليمن على تجاوز السيناريوهات المتوقعة من نافذة السياسة والدعم التنموي والاقتصادي وليس من خلال القوة العسكرية في بلد تفتك بالآلاف من أبنائه جائحة الكوليرا المرشحة لأن تكون أكبر كارثة عالمية.
سببان يدفعان الأطراف المعنية بالحرب في اليمن للتوقف: الأول استحالة حسم الصراع عسكرياً وهو أمر اكتشفته هذه الأطراف بعد أكثر من عامين من دخولها على خط المعارك المباشرة في جبهات القتال، أما السبب الثاني فيعود إلى أن الأطراف الثلاثة الداخلية والخارجية المشاركة في هذه الحرب وصلت إلى نتيجة أن الحرب ومهما طال بها الزمن لا بد أن تتوقف في النهاية وأن الخروج من ورطة هذه البوتقة المظلمة يقتضي من الجميع تقديم التنازلات وتعديل خطابهم السياسي والبحث عن مخارج تحفظ ماء الوجه لكل منهم بعيداً عن منطق الربح والخسارة، وهنا بإمكان التحالف الزعم بأنه انتصر وبإمكان الطرف الآخر الزعم أيضاً بأنه أحبط هدف القضاء عليه وهو بذلك يصبح منتصراً لتبدو النتيجة متعادلة تكتيكياً على الأقل مع أن هذه النتيجة على المدى الاستراتيجي لن تكون كذلك فالحرب هي خسارة لصنعاء كما هي خسارة للرياض ودول التحالف.
يواجه اليمن اليوم خطراً وجودياً عبر إمكانية استحضار ثلاثة احتمالات مترابطة: سيناريو الصومال.. وسيناريو أفغانستان.. وسيناريو جنوب السودان وكلها مخاطر كيانية لا تتهدد وحدته فقط وإنما تؤشر على إمكانية تفتيته إلى دويلات صغرى قلقة ومتناحرة أو أنصاف دويلات حبلى بالعنف والكراهية والتطرف وإكراهات الجغرافيا المشتعلة بما سيزيد من التأزم في منطقة الجزيرة العربية والخليج المأزومة أصلاً لذا فإن الرهان على الخيار العسكري ستكون له أثمانه الفادحة ليس فقط على اليمن وإنما على دول المنطقة كافة، وإذا ما اتفقنا على بعض التعابير والمفردات كالحرب والسلام فإن الحرب حتى وإن بدت أحياناً وسيلة فإنها التي لا يمكن أن تصبح الغاية الأخيرة أو الفاعل الوحيد الذي يجب الإصغاء له سيما وقد برهنت كل أنواع الحروب وبالذات كالتي يشهدها اليمن أنها التي لا تنتهي بحلول سحرية أو أحادية النتائج وإنما بالحل المتاح حتى وإن لم يكن الحل الأمثل.
مع أن معظم السياسيين اليمنيين في الداخل والخارج صاروا على قناعة بفشل الحسم العسكري فإن الكثير من هؤلاء ما زال ينظر ببصيرة محدودة الأفق للمشهد الميداني المتحرك ولذلك فهم الذين لا يدفعون باتجاه الحل السياسي بالقدر الذي يحاولون فيه الهروب من تبعات المسؤولية عن استمرار هذه الحرب وما تخلفه من الضحايا والخسائر من دون إدراك أن مرحلة العداوات التي أفضت إلى هذه الحرب المتوحشة لا يمكن لها أن تنتهي بانتصار هذا الطرف على ذاك أو بإعادة التوازنات العسكرية وإنما بإحلال قيم التصالح والتسامح بين أبناء الوطن الواحد بمختلف توجهاتهم السياسية والحزبية والفكرية.. ولأنه لا يمكن الركون إلى خروج هؤلاء السياسيين من خنادقهم وإعادة النظر في مواقفهم بمعزل عن القوى الإقليمية التي تحركهم عملياً فإن مآل ومصير الحرب في اليمن سيبقى معلقاً على ما ستنتهي إليه قيادة التحالف العربي في مناقشاتها الأخيرة وما ستتوصل إليه من المواقف والسياسات تجاه هذه الحرب.. ومن الواضح أن أية مراجعة يقوم بها التحالف لن يكون لها معنى طالما ظل خيار القوة العسكرية قائماً وأسباب التحريض عليه حاضراً في خطط التحالف.
الإصرار على هزيمة جماعة أنصار الله ومن يتحالفون معها عسكرياً لن يؤدي إلى إعادة الاستقرار في اليمن إذا ما علمنا أن عاصفة الحزم نفسها قد انطلقت كما قيل حينها كاستجابة لاضطراب الاستقرار في هذا البلد والدليل على ذلك يتجسد اليوم في الفوضى التي تموج بها المناطق المحررة فمع أن هذه المناطق لم تعد تحت هيمنة الحوثيين وصالح فقد عجز التحالف وحكومة الرئيس هادي عن ملء الفراغ المتروك في تلك المناطق التي أصبحت ملاذاً للعناصر المتطرفة من تنظيم القاعدة وداعش وهذا الأمر يعكس تماماً أن أي استقرار لا يمكن أن يتحقق جزئياً دون توفر الشروط التي تقود إلى الاستقرار العام ومن ذلك إيقاف الحرب وتهيئة الأجواء لتسوية سياسية شاملة تستوعب كل اليمنيين.. فهل الوضع مهيأ لذلك؟ وهل التحالف العربي سيساعد على تحقيق مثل هذه التسوية؟ انطلاقاً من رابطة المصالح ورابطة الجوار بين اليمن والخليج أم إن هذا المشروع لم يجرِ التحضير له حتى الآن وما زال هناك من يسعى إلى إبعاد التحالف عن أي شكل من أشكال المراجعة العقلانية والناضجة لتبقى اليمن مشكلة خليجية وساحة لاستنزاف هذا الخليج وابتزازه من القوى الكبرى لفترة قادمة.
كاتب يمني