
جيفري ساكس
لم يكن انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ بقرار من الرئيس دونالد ترامب خطوة بالغة الخطورة على العالَم فحسب، بل هو سلوك مناهض للمجتمع ويفتقر إلى الشعور بالمسؤولية الأخلاقية. فقد أقدم ترامب، وبلا شعور بالندم، على إلحاق الضرر عمدا بالآخرين. والواقع أن إعلان نيكي هالي، سفير الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة، أن يؤمن بتغير المناخ، يجعل الأمور أشد سوءا وليس أفضل. والواقع أن يعرض سلامة كوكب الأرض للخطر عن علم وبكل وقاحة.
جاء إعلانا عامرا بتبجح المستأسد. فقد ادعى بكل غطرسة أن الاتفاق العالمي الذي اتسم بالتجانس في جوانبه كافة، وحظي بقبول دول العالم أجمع، كان على نحو ما خدعة، ومؤامرة ضد أمريكا: «كانت بقية العالَم تسخر منا وتستهزئ بنا».
الواقع أن هذا الهذيان متوهم تماما، أو شديد الاستهزاء، أو جاهل إلى حد مروع. أو ربما الاحتمالات الثلاثة معا. وينبغي لنا أن نتعامل معه على هذا النحو.
فبعد أن ادعى أنه يمثل «بيتسبرج وليس باريس»، سارع عمدة بيتسبرج إلى الإعلان أنه لا يمثل مدينته بكل تأكيد. والواقع أن بيتسبرج انتقلت بالفعل من اقتصاد صناعي ثقيل ملوث إلى اقتصاد متقدم يعتمد على التكنولوجيا النظيفة. وهي موطن جامعة كارنيجي ميلون، واحدة من أعظم المراكز في العالَم إبداعا في مجال تكنولوجيا المعلومات القادرة على تعزيز الانتقال إلى النمو المستدام الذي يتسم بالكفاءة العالية، واستخدام مصادر طاقة خالية من الكربون، فضلا عن عدالته أو هو بعبارة أكثر بساطة، اقتصاد «ذكي، وعادل، ومستدام».
كان إعلانا متأصلا في تطورين مدمرين للغاية. الأول يتلخص في فساد النظام السياسي الأمريكي. لم يكن إعلانا راجعا له وحده حقا. فقد عكس إرادة القيادة الجمهورية في الكونجرس، بما في ذلك 22 عضوا من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين الذي أرسلوا خطابا، داعين إياه إلى الانسحاب من اتفاق باريس.
الواقع أن أعضاء مجلس الشيوخ هؤلاء، ونظراءهم في مجلس النواب، تستولي عليهم صناعة النفط والغاز، التي أنفقت 100 مليون دولار على مساهمات الحملة الانتخابية في العام 2016، والتي ذهب نحو 90 % منها لمرشحين جمهوريين. (الواقع أن المجموع كان أكبر كثيرا من 100 مليون دولار، ولكن قسما كبيرا من هذه المساهمات لا يمكن تتبعه).
أما التطور المدمر الثاني فيتمثل في عقلية وأقرب مستشاريه التي تتسم بالالتواء والانحراف. ذلك أن رؤيتهم، التي دافعوا عنها بالاستعانة بما أسموه «حقائق بديلة» والتي لا أساس لها في الواقع، تنضح بجنون العظمة والشك، والحقد، وتهدف إلى إلحاق الأذى بالآخرين، أو في أفضل تقدير لا تبالي بالأضرار التي تلحق بآخرين.
يردد متبجحا: «إن اتفاق باريس يعوق اقتصاد الولايات المتحدة من أجل الفوز بالثناء والمديح من نفس العواصم الأجنبية والناشطين العالميين الذين سعوا لفترة طويلة إلى كسب الثروة على حساب بلادنا».
هذا هو الجنون ذاته. فاتفاق باريس معاهدة عالمية أبرمت بين 193 دولة من أعضاء الأمم المتحدة للتعاون في إزالة الكربون من نظام الطاقة العالمي وبالتالي تجنب المخاطر المترتبة على كارثة مناخية، مثل ارتفاع مستوى سطح البحر أمتار عدة، والعواصف الشديدة، ونوبات الجفاف القوية، وغير ذلك من التهديدات التي حددها المجتمع العلمي العالمي، والتي أصبح بعضها واضحا بالفعل في المناطق الضعيفة من كوكب الأرض.
يقضي اتفاق باريس للمناخ بإلزام كل دولة بالقيام بدورها في تحمل «مسؤوليات مشتركة ولكنها متباينة». وتبدأ مسؤوليات أمريكا المتباينة مع حقيقة مفادها أن الولايات المتحدة هي إلى حد بعيد الدولة الأكثر إطلاقا للانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري الكوكبي تراكميا على مستوى العالَم. وعلى هذا فإن الولايات المتحدة أسهمت بقدر أكبر من أي دولة غيرها في تغير المناخ. ونصيب الفرد في الانبعاثات الغازية في الولايات المتحدة أعلى من أي دولة أخرى كبرى، بأشواط. واتفاق باريس لا يجعل من الولايات المتحدة ضحية، بل على العكس من ذلك، تتحمل الولايات المتحدة مسؤولية غير مسبوقة عن ترتيب أمورها داخليا.
تشير بيانات معهد الموارد العالمية إلى أن الولايات المتحدة شكلت 26.6 % من الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري الكوكبي خلال الفترة من 1850 إلى 2013. ويمثل سكان أمريكا اليوم 4.4 % فقط من سكان العالم. باختصار، في أمريكا كان نصيب الفرد في الانبعاثات دوما أعلى بمرات عدة من المتوسط العالمي، وهذا يدين للعدالة المناخية العالمية، وليس العكس.
ولنتأمل هنا أحدث البيانات للعام 2014، الصادرة عن هيئة الطاقة الدولية بعنوان إحصاءات الطاقة 2016. بلغت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون على مستوى العالَم من إنتاج الطاقة والصناعات نحو 4.5 طن في المتوسط لكل شخص (32.4 بليون طن لمجموع 7.2 بليون شخص وفقا لتبويب هيئة الطاقة الدولية)، في حين اقتربت انبعاثات الولايات المتحدة من أربعة أضعاف هذا المستوى، 16.2 طن لكل شخص (5.2 بليون طن لمجموع 320 مليون نسمة). ويواص لحديثه عن انحياز اتفاق باريس المفترض لصالح الهند، ولكنه يفشل في الاعتراف أن نصيب الفرد من الانبعاثات في الهند يبلغ 1.6 طن فقط، أي ما يعادل 10 % فقط من المستوى في الولايات المتحدة.
يتحسر أيضا على مساهمات الولايات المتحدة في صندوق المناخ الأخضر (الذي يلفظ اسمه ساخرا لسبب ما). وهو يشكو من أن الولايات المتحدة قدمت بالفعل أكثر من بليون دولار، دون أن يشرح للشعب الأمريكي والعالَم أن بليون دولار مساهمة قدرها 3.08 فقط لكل أمريكي. والواقع أن البلايين العشرة المتوقعة من الولايات المتحدة على مدار سنوات عديدة تمثل في واقع الأمر 30.8 دولار فقط لكل أمريكي.
وإليكم الحقيقة البسيطة: يحتاج العالَم بأسره إلى الانتقال بسرعة وعزم إلى نظام طاقة منخفض الكربون، بغية إنهاء انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وغيره من الغازات المسببة للانحباس الحراري الكوكبي بحلول منتصف القرن. وهذا ليس تحركا ضد الولايات المتحدة. بل هي ضرورة عالمية تصدق على الولايات المتحدة، والصين، والهند، وروسيا، والسعودية، وكندا، وغيرها من الدول الغنية بالوقود الأحفوري، فضلا عن المناطق المستوردة للوقود الأحفوري مثل أوروبا، واليابان، وأغلب دول أفريقيا. وما يدعو إلى التفاؤل أن التكنولوجيا اللازمة قائمة بالفعل: الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والطاقة الحرارية الأرضية، والطاقة الكهرومائية، والمحيطات، والطاقة النووية، وغير ذلك من مصادر الطاقة المنخفضة الكربون.
وهنا تتجلى حقيقة أخرى بسيطة: فقد أسهمت الولايات المتحدة أكثر من أي دولة أخرى في إحداث الخطر العالمي المتمثل في تغير المناخ، ولهذا ينبغي لها أن تقبل مسؤولياتها في المساعدة على إبعادنا جميعا عن الخطر. وكحد أدنى، لا بد أن تكون أمريكا حريصة على التعاون مع بقية العالم.
ولكن بدلا من ذلك، تسبب سلوك المعادي للمجتمع، وفساد وشراسة المحيطين به، في إنتاج ازدراء تام لعالَم يقترب من حافة كارثة من صنع البشر. وينبغي لنا أن نطلق على الكوارث المناخية التالية من صُنع البشر مسميات مثل «إعصار دونالد»، «وعاصفة إيفانكا الخارقة»، و»الفيضان العارم جاريد. ولن ينسى العالَم.
أستاذ التنمية المستدامة وأستاذ سياسات
الصحة والإدارة في جامعة كولومبيا