عن المشكلة الخليجية الطارئة

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ١٤/يونيو/٢٠١٧ ٠٤:٢٥ ص
عن المشكلة

الخليجية الطارئة

فريد أحمد حسن

الاختلاف في وجهات النظر بين الأفراد أمر طبيعي، وكذلك بين الدول، ومثلما أنه طبيعي أيضا حصول خلافات بين الأفراد، كذلك فإن من الطبيعي حصول خلافات بين الدول، وإن كانت شقيقة. هكذا ببساطة، فطالما أنه من غير المعقول أن ينظر الجميع إلى كل شيء من نفس الزاوية كذلك فإنه من غير المعقول أن تنظر الدول إلى كل شيء من زاوية واحدة، ولو كان الأمر كذلك لسيطرت الرتابة على الحياة وفقدت الحياة طعمها ومعناها. أيضا وكما أنه من الطبيعي أن يرتكب الأفراد وهم يمارسون أعمالهم وحياتهم أخطاء تؤدي إلى إيجاد فجوة فيما بينهم بل قد تؤدي إلى مشاجرات ومشكلات وقضايا و»زعل»، كذلك فإن من الطبيعي أن تقع الدول وإن كانت شقيقة في أخطاء تؤدي إلى إيجاد فجوة فيما بينها ومشاجرات توسع تلك الفجوة وقضايا وربما محاكم و»زعل». ذلك أن الدول تديرها حكومات، والحكومات يديرها أفراد، والأفراد في كل الأحوال بشر، يصيبون ويخطئون.

من هنا فإن ما رشح من خلافات بين بعض دول مجلس التعاون أخيرا يدخل في باب الطبيعي، لكن بروزها بذلك الشكل الذي لفت أنظار العالم إليه سببه أنه كان مفاجئا، سواء من حيث الحجم أو المستوى أو حتى التوقيت، ويسهل وصفه بالعنيف بل بدا وكأنه إعلان عن وجود مشكلة تتعقد وأنه قد حان وقت علاجها.

دونما شك فإن الشعوب الخليجية التي هي اليوم بكثير من المقاييس شعب واحد كانت تعرف بوجود خلافات بين دول مجلس التعاون، وربما كانت تعرف أن بعض تلك الخلافات كبيرة وأن وجهات النظر فيها متباعدة، لكنها لم تتوقع أن يتم إخراج كل ذلك إلى العلن وبتلك الطريقة، ولم تتوقع بالطبع أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه.

ولكن، مثلما أن لكل مشكلة حل فالأكيد أن لهذه المشكلة الغريبة على الإنسان الخليجي حلا، ومثلما أنه لا بد من التوصل إلى حل لذا فإن الأكيد أن هناك من عليه أن يقوم بهذا الدور. هنا يأتي دور الدولتين الخليجيتين اللتين تقومان عادة بالتدخل لحل كل خلاف ينشب بين دول مجلس التعاون أو بين إحداها والدول الأخرى، وهما دولة الكويت وسلطنة عمان، لذا اشرأبت الأعناق إليهما وتابع أهل الخليج العربي جميعا التحرك السريع الذي قام به صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت ومعالي يوسف بن علوي بن عبدالله الوزير المســؤول عن الشؤون الخارجية بسلطنة عمان. ورغم تبادل المعلومات عن عدم التوصل بعد إلى النتيجة المتوخاة إلا أن شعوب التعاون كلها تظل متمسكة بالأمل وتنتظر التوصل إلى حل لأنه لا بد من التوصل إلى حل، فمن غير الممكن أن ترى هذه الشــعوب منظومــة مجلس التعاون تتمزق أمامها وهي تتفرج.

هذا يعني أنه يوجد الآن ضغط شعبي خليجي يشعر به قادة دول المجلس وكل المسؤولين فيه يدفعهم إلى بذل جهد أكبر لاحتواء ما حدث وحل المشكلة بكل الطرق الممكنة والتي من شأنها أن تمنع تعقد المشكلة وتقود إلى حيث يمكن حلها بشكل جذري كي لا تكون كما القنبلة القابلة للانفجار في أي لحظة.

شعوب دول مجلس التعاون وبغض النظر عن اعتقادهم أن هذا المجلس لم يحقق لهم ما ظلوا يطمحون إليه ويحلمون به إلا أنهم يؤمنون أنه الإطار الذي يجمع دولهم ويجمعهم ويوفر العوامل التي تسهل لهم التواصل فيما بينهم، لهذا فإنهم تألموا ويتألمون من كل هذا الذي حصل ويضغطون بقوة كي يتم إيجاد حل للمشكلة وتعود العلاقات بين دول التعاون إلى طبيعتها.

وبغض النظر عن بعض السلوكيات التي مارسها بعض الأفراد المنتمين إلى المستوى التعليمي الأقل والتي يسهل وصفها بـ»الجهالة» ولا يمكن أن تعبر عن أخلاق شعوب دول التعاون فإنه يمكن القول إن ردود الفعل الشعبية جاءت في المستوى اللائق والمعبر عن حرص الجميع على منظومة مجلس التعاون وحبهم لبعضهم البعض وأكدت إدراكهم أن ما يجري ليس إلا سحابة صيف سرعان ما ستمر وتعود حالة الصفاء إلى طبيعتها.

مهم التأكيد هنا أن الخلاف ليس بين الشعوب الخليجية ولكنه بين القيادات والحكومات والمسؤولين في هذه الدول، وهذا يعني أن الأمر له علاقة بالسياسة، وبما أنه لا يوجد في عالم السياسة صديق دائم ولا عدو دائم لذا فإن الأمر ينبغي أن ينحصر في إطاره ويترك حله للمعنيين الذين سيتوصلون عاجلا أو آجلا إلى صيغة ترضي كل الأطراف ذات العلاقة. ولعل الجميع يتذكر ما حدث من تطورات سالبة في العام 2014 بين الدول الخليجية نفسها، وبالتأكيد يتذكر الجميع كيف تم احتواء الموقف وحل المشكلة وعودة الأمور إلى طبيعتها. لعل ما يميز دول التعاون عن مختلف دول العالم هو توفر الصيغ الاجتماعية التي تسهل التوصل إلى حل لكل المشكلات مهما كانت درجة تعقيدها.

كاتب بحريني