
مارتن فيلدشتاين
خلال أول 100 يوم أمضاها في منصبه، ارتد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن العديد من المواقف الأساسية بشأن السياسات الدفاعية والتجارية التي دعا إليها خلال حملته الانتخابية الرئاسية. وقد أسفرت هذه الانقلابات عن بعض النتائج الإيجابية.
وتُعَد سياسة ترامب في التعامل مع الصين المثال الأشد وضوحا هنا. فخلال حملته الانتخابية، وعد ترامب باعتبار الصين دولة متلاعبة بالعملة في أول يوم له في منصبه، وإنهاء سياسة «الصين الواحدة» (الاعتراف بتايوان كجزء من الصين الكبرى) التي وجهت العلاقات الصينية الأمريكية لفترة طويلة، وفرض تعريفات جمركية مرتفعة على الواردات الصينية، لتقليص العجز التجاري الثنائي.
ولم يحدث أي من ذلك. فلم يعتبر ترامب الصين دولة متلاعبة بالعملة عند توليه منصبه. وعندما أجرت وزارة الخزانة الأمريكية الشهر الفائت استعراضها المقرر لسياسة العملة الصينية، خلصت إلى أن الصين ليست دولة متلاعبة بالعملة.
كما سارع ترامب إلى التراجع عن موقفه من سياسة الصين الواحدة، قائلا للرئيس الصيني شي جين بينج إن الولايات المتحدة ستواصل الالتزام بها وداعيا الرئيس شي إلى زيارته في معتكفه في مارالاجو في فلوريدا.
كما أسفر ذلك الاجتماع عن مفاوضات تجارية بقيادة وزير التجارة ويلبر روس، والتي وافقت الصين بموجبها على فتح سوقها للحوم البقر الأمريكية والعديد من الخدمات المالية، ووافقت الولايات المتحدة على بيع الغاز الطبيعي المسال للصين. وسوف تكون النتيجة انخفاض العجز التجاري الأمريكي مع الصين، دون زيادة في التعريفات الجمركية.
لن يؤدي خفض العجز التجاري الثنائي إلى تقليص العجز التجاري الأمريكي الإجمالي، لأن ذلك يرجع إلى الفارق بين الاستثمار والادخار في الولايات المتحدة. ولا يعني خفض العجز التجاري الثنائي مع الصين سوى عجز تجاري أكبر -أو فائض أصغر- مع بعض الدول الأخرى. مع ذلك، ورغم أن إدارة ترامب تخطئ حين تركز بشكل مفرط على العجز التجاري مع دول فردية، فإن القيام بذلك في حالة الصين أفضى إلى تأثير إيجابي أدى إلى انتهاج سياسات من شأنها أن تعمل على خفض الحواجز الأجنبية أمام الصادرات الأمريكية.
في مكان آخر من آسيا، حَذَّر ترامب كوريا الجنوبية واليابان خلال حملته الانتخابية من أنهما لم يعد بوسعهما الاعتماد على الضمانة الأمنية الأمريكية التي دامت عقودا من الزمن. ولكن بعد توليه منصبه مباشرة تقريبا، طار وزير الدفاع جيمس ماتيس إلى سول لكي يطمئن الكوريين، ومضت الإدارة قدما في تركيب نظام دفاع المنطقة العالي الارتفاع الطرفي المضاد للصواريخ (ثاد) في كوريا الجنوبية، رغم اعتراضات الصين. ثم طار ماتيس إلى اليابان ليعرض على اليابانيين تزويدهم بضمانات مماثلة لاستمرار الدعم العسكري الأمريكي.
على نحو مماثل، تعهد ترامب حين كان مرشحا للرئاسة، وعندما كان يشكو من عدم وفاء أعضاء حلف شمال الأطلسي الأوروبيين بالتزامهم بإنفاق 2 % من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع، بخفض الإنفاق العسكري الأمريكي في أوروبا. كما انتقد حلف شمال الأطلسي لعدم استعداده للانضمام إلى المعركة التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم (داعش).
ومع ذلك تراجع ترامب عن تهديده، وتحرك الأوروبيون قليلا في الاتجاه الذي حثتهم الولايات المتحدة على السير فيه. وتدعو الميزانية الفيدرالية التي اقترحها ترامب إلى زيادة الإنفاق العسكري الأمريكي في أوروبا، في حين وافق الأعضاء الأوروبيون في حلف شمال الأطلسي على زيادة أنفاقهم العسكري باتجاه 2 % من الناتج المحلي الإجمالي (وإن لم يكن ذلك بالسرعة التي يريدها ترامب). ومؤخرا، صوت مجلس شمال الأطلسي -الهيئة الحاكمة لحلف شمال الأطلسي- لصالح الانضمام إلى الحملة ضد داعش (وإن لم يكن ذلك يعني الاضطلاع بدور قتالي).
وقد أدى التهديد الذي أطلقه ترامب أثناء حملته الانتخابية بتمزيق اتفاق التجارة الحرة لأمريكا الشمالية ما لم يُتَّفَق على شروط أفضل إلى تجدد المفاوضات بقيادة الممثل التجاري الخاص للولايات المتحدة. ومن السابق للأوان أن نجزم بنتائج المحادثات. ومن المأمول أن يكون التأكيد على المزيد من التخفيضات للحواجز التجارية التي تعرقل الصادرات الأمريكية إلى كندا والمكسيك. فمن الخطأ، على سبيل المثال، الحد من الصادرات الكندية من الأخشاب إلى الولايات المتحدة على أساس أن الحكومة الكندية تدعمها. ولن تؤدي الحواجز أمام الواردات إلا إلى إلحاق الضرر بشركات البناء وأصحاب المساكن في الولايات المتحدة.
الحق أنني لا أدري لماذا تحول الرئيس ترامب إلى مواقف مختلفة عن تلك التي دعا إليها أثناء حملته الانتخابية. فهل أقنعه مسؤولوه على مستوى الحكومة أن مواقفه السابقة كانت خاطئة؟ أو هل يؤمن بتفويض عملية اتخاذ القرار بشأن هذه القضايا إلى أولئك المسؤولين؟ أو هل كان الهدف من وعوده الانتخابية اجتذاب أصوات الناخبين وليس الكشف عن آرائه الخاصة؟ ربما لا نعرف الحقيقة أبدا. وتختلف السياسة المحلية. فقد أصدرت الإدارة الأمريكية مؤخرا خطة الميزانية لعشر سنوات والتي انتُقِدَت عن حق بسبب افتقارها إلى التماسك وفشلها في وصف سياسات ضريبية واضحة. ولكن سياسات الميزانية تختلف عن سياسات الأمن الدولي، لأن الكونجرس الأمريكي يتولى اتخاذ القرارات التفصيلية بشأن الإنفاق والضرائب. وتقترح خطة ترامب تخفيضات في الإنفاق المحلي يعلم مسبقا أن الكونجرس لن يقبلها. ومن المطلوب بموجب القواعد المعمول بها في الكونجرس لإدخال أي تعديلات دائمة على الضرائب إثبات توازن الميزانية عند نهاية السنوات العشر. أما عن التفاصيل بشأن التغييرات الضريبة المحتملة، فما زلت أتطلع إلى الخطط التي وضِعَت على مدار السنوات العديدة الفائتة من قِبَل رئيس مجلس النواب بول ريان وزملائه.
رغم حملة ترامب الانتخابية (وتصريحاته الضالة وتغريداته المتقلبة منذ تولى منصبه)، فإن سياسات إدارته الدفاعية والتجارية الفعلية تسير على الطريق الصحيح. ولا يظل الأمل يحدوني في أن تعمل السياسات الضريبية التي وضِعَت في الكونجرس على توفير إطار للإصلاحات المرغوبة للضرائب الشخصية وضرائب الشركات.
أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد وكان رئيسا لمجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس رونالد ريجان
في الفترة من 1982 إلى 1984