روح التسامح في رمضان

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ١٣/يونيو/٢٠١٧ ٠٤:٣٠ ص
روح التسامح في رمضان

أحمد المرشد

تنتشر قصة على مواقع الإنترنت تروي حكاية امرأة جاءت إلى داود عليه السلام، فسألته: «يا نبي الله.. أربك ظالم أم عادل؟. لم يتوقع داود السؤال فرد عليها: «ويحك يا امرأة إنه العدل الذي لا يجور». ثم قال لها: «ما قصتك؟». فسردت المرأة قصتها وقالت إنها أرملة ولديها ثلاث بنات تصرف عليهن من غزل يديها. واستطردت: «فلما كان أمس شددت غزلي في خرقة حمراء، وأردت أن أذهب إلى السوق لأبيعه وأبلّغ به أطفالي، فإذا بطائر قد انقض عليّ وأخذ الخرقة والغزل وذهب، وبقيت حزينة لا أملك شيئاً أبلّغ به أطفالي». وبينما المرأة تحكي قصتها لداود عليه السلام، إذ بالباب يطرق على داود فأذن له بالدخول، وإذا بعشرة من التجار كل واحد بيده مئة دينار.. فقالوا يا نبي الله أعطها لمستحقها. فقال لهم داود عليه السلام: «ما كان سبب حملكم هذا المال؟». فقالوا يا نبي الله، كنا في مركب فهاجت علينا الريح وأشرفنا على الغرق فإذا بطائر قد ألقى علينا خرقة حمراء وفيها غزل، فسدّدنا به عيب المركب فهانت علينا الريح وانسد العيب، ثم نذرنا لله أن يتصدّق كل واحد منا بمئة دينار، وهذا المال بين يديك فتصدق به على من أردت. فالتفت داود عليه السلام إلى المرأة وقال لها: «رب يتاجر لكِ في البر والبحر وتجعلينه ظالما».. وأعطاها الألف دينار لتنفقها على أطفالها. القصة جميلة وتحمل من المعاني والعبر والدروس الكثيرة، خاصة ونحن نستقبل شهر رمضان المعظم أعاده الله عز وجل على شعبنا وبلادنا وأمتنا العربية والإسلامية بالخير والسعادة والهداية. فالمرأة التي فقدت الثقة بالمولى العلي القدير لمجرد أن خطف الطائر غزلها، لم تكن تعلم أنها ستنقذ مركبا كاد على الغرق، والأهم هو ما جاد به الله على المرأة وأطفالها من خير وفير لم تكن تحلم به لو باعت إنتاجها في السوق.

وإذا كانت المرأة قد عادت إليها ثقتها بالله بعد ثوان قليلة من بث شكواها إلى نبي الله داود، فنحن أيضا في شهر مبارك يهدينا فيه الخالق إلى الخير واليمن والبركات في وعده الإلهي -أوله رحمة ونصفه مغفرة وآخره عتق من النار- فالدروس كثيرة لمن يريد الهداية والتنور، فقط عليه أن يزرع الحب والسلام لتحقق له عدالة السماء كل مبتغاه وأمانيه. فقد اختص الله هذا الشهر المبارك بالصيام، وأكرمنا فيه سبحانه بفضله وكرمه، فقسم شهره بالتساوي بين الرحمة والمغفرة والعتق من النار، وضاعف لنا فيه الأجر والثواب في كل الأعمال، فحثنا ذلك كله على العبادة والطاعة، ليقبل المسلمون على الطاعات، وليكون البذل والجود والتواصل والتراحم سمة ظاهرة في المجتمع، وليكون هذا الشهر المبارك وسيلة لتهذيب النفس وتربيتها على الجوع والعطش في سبيل الله، وعلى اتخاذ الزهد منهج حياة، وعلى التسامح، ليسود الحب بين الجميع. ونحن قاب قوسين أو أدنى من نهاية شهر رمضان المبارك، لن نكرر الكلمات القديمة التي نحفظها عن ظهر قلب، ولكن علينا أن نركز على فضيلة التسامح ونشرها بيننا ونبذ العصبية والتعصب والمذهبية والعرقية والعنصرية، فالتسامح يلغي الفوارق ليس فقط بين اتباع الدين الواحد وإنما بين الأديان. وهذا التسامح مصيره العيش بوئام ومحبة. إن هذا من ضمن رسائل شهر رمضان العظيمة، فنتيجة التسامح المؤكدة هي الرفاهية والسعادة والتقدم والأمان، فهو يعمق روح الأخوة والمواطنة ويزيد من الثقة بين أبناء البلد ويعم خيره البشرية جميعا.

إن مفهوم التسامح في القرآن يحمل معنى اليسر والسهولة، وتتبين مظاهره في المعاملات والعبادات، وتنعكس آثاره الإيجابية فيما يسري في الأنفس من طمأنينة وألفة ومحبة. وإذا كانت المرأة التي سألت داود عليه السلام: «هل ربنا عادل أم ظالم!!» لم تكن تعلم أن الله يبعث التسامح وروح الأمل والتفاؤل في نفوس المؤمنين، وذلك بإيمان المؤمن بدعوة الله للتسامح الذي يحمي نفس المؤمن من وصول اليأس والقنوط، ويبعد التسامح الإنسان عن مرارة الحقد والغضب والثأر، فتسامحه يقوي في النفس قدرة التحكم في فورة الأعصاب، كما يؤدي إلى انتشار الألفة والمحبة بين أفراد المجتمع المسلم، ويعمل على تعديل سلوك المسلمين اتجاه بعضهم البعض، حينما يقابل أحدهم إساءة أخيه المسلم بالتسامح معه. هذا التسامح السامي، هذا النوع من أنواع الرضا، رضا النفس ورضا في التعامل مع الآخرين، ورضا مع محبة، بما يجعلنا نتغلب على الصعاب، خاصة إذا تركنا الضغائن وابتعدنا عنها، حتى نصل إلى القناعة أن نجاحنا كأفراد وجماعات ومجتمع ينطلق من نقطة العمل بروح الفريق.
نستطيع بالتسامح ونحن في شهر رمضان أن نصنع المعجزات، فالتسامح يمنحنا كل ما نتمناه، بعد أن نصفح عن الآخرين، فهذه أول خطوة نحو الصفح عن أنفسنا، لأن التسامح هو أقصر طريق للاقتراب من المولى عز وجل. والتسامح هو العمل في مناخ متجانس يتحابب فيه الجميع، خاصة وأن الإنسان مدني بطبعه ولا يعيش إلا وسط مجتمع. ومن هنا يتضح لنا أن التسامح ضرورة حياتية مثل ضروريات الوجود نفسه، فإذا أردنا هذا، فعلينا بتكريس مبادئ التعارف والتعاون والتكامل والتعايش والحب، وليس التنكر للآخر أو العمل على اقتتاله أو التطاحن معه أو التعارض مع كل ما يقتنع أو يؤمن به. والتسامح قيمة عظيمة، تقتضي الاحترام المتبادل وتقبل التنوع.. كذلك يقدر التسامح كقيمة سامية المساواة في الحقوق، الحقوق الدينية والمعيشية والثقافية والاجتماعية.. ونخلص من كل هذا ونحن نشهد قدوم شهر رمضان المبارك، أن التسامح هو اللبنة الأساسية والأرضية الأولى نحو بناء المجتمع المدني وإرساء قواعده، عبر الاعتراف بحقوق الجميع وقبول الاختلاف في الرأي والفكر والثقافة وتقدير المواثيق الوطنية واحترام سيادة القانون، واحترام القيم الإنسانية. فإسلامنا الحنيف يحثنا على البر والتقوى وفعل الخير واتباع الحق والصلاح وأن تقوم تعاملاتنا على الحب والرحمة والإحسان، وأن نتبنى مبدأ السلم ليعم الأمن والسلام والاستقرار، لنتعايش في أجواء يلفها الحب والوئام.

كاتب ومحلل سياسي بحريني