متى سيصنع ترامب السلام؟

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٠٦/يونيو/٢٠١٧ ٠٣:٥١ ص
متى سيصنع ترامب السلام؟

غازي السعدي

أعادت زيارة الرئيس الأمريكي إلى المملكة العربية السعودية، الثقل والدور العربي في الشرق الأوسط، ودور العرب الإقليمي من خلال المملكة العربية السعودية، كما أنها مهدت الطريق لإعادة اللحمة العربية، وإعادة التضامن العربي، كما ركزت هذه القمم على محاربة الإرهاب، وأعطت للرئيس الأمريكي أوراقاً قوية يحملها معه إلى إسرائيل، والتأثير على الحكومة الإسرائيلية، وعلى الرأي العام الإسرائيلي للتوصل إلى حل ما يسمى بالدولتين، فإسرائيل التي سعت إلى الحل الإقليمي للسلام، تحقق لها ذلك من خلال قمم الرياض، لكن للأسف فإن الرئيس الأمريكي الذي لخص جولته في الشرق الأوسط- عبر صفحته على التويتر- بأنه سيعمل بكل قوته من أجل تحقيق السلام، وعودة الولايات المتحدة لانتزاع دورها ومكانتها العالمية، كقائد ولاعب أساسي في قضايا الشرق الأوسط، التي غابت عنه فترة من الزمن، ومع كل ما يحمله الرئيس «ترامب» من أوراق وقدرة، فإن توجهاته السلمية لم تلق تأثيراً يذكر على الحكومة الإسرائيلية، ولا على الأحزاب والرأي العام الإسرائيلي، فقد عاد من المنطقة دون أي إنجازات لتحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، مع أن قمم الرياض الثلاث كانت فرصة ذهبية أتيحت للرئيس «ترامب» وللمنطقة، ما لم تتح لأي رئيس أمريكي سابق، وهو حدث غير مسبوق في التاريخ العربي الحديث، رغم وجود انتقادات ووجهات نظر كثيرة لا تتفق مع هذا المسار، فالرئيس «ترامب» الذي يكثر من حديثه عن تحقيق السلام، لم يتحدث عن حل الدولتين في خطبه، كما أنه لم يطرح خارطة الطريق للحل، فقد وصف خطابه في قمم الرياض، بأنه كان الأسوأ والأكثر تجاهلاً لحقوق الشعب الفلسطيني ومعاناته، مما أكد من جديد على انحياز السياسة الأمريكية بالكامل للكيان الإسرائيلي، وهذا سيشجع الاحتلال الإسرائيلي على الاستمرار بتعنته وتطرفه، مما أعاد النقاش بأن الرهان على الدور الأمريكي وحده لإنصاف الشعب الفلسطيني هو رهان خاسر، قبل أن يظهر العكس، وأن تكرار أقواله، بأن مصر حتى النهاية على التوصل لاتفاق سلام إسرائيلي-فلسطيني، ليس لها أي دليل مادي أو تجسيد على الأرض، حتى أن المخاوف الإسرائيلية من إمكانية أن تتعرض لضغوطات أمريكية من أجل الحل قد تبددت، حتى أن الوزراء في حكومة «نتنياهو» ونواب الكنيست، أشاروا- في الخطاب الذي ألقاه «ترامب» في المتحف الإسرائيلي- وأن المستوطنين مرتاحون من هذا الخطاب، الذي وصف إسرائيلياً بأنه أفضل من أي خطاب يمكن أن يلقيه أكثر الوزراء الإسرائيليين تطرفاً، وتعهد «ترامب» بأنه سيحافظ على التفوق العسكري لإسرائيل، فقد كان خطابه من بدايته حتى نهايته، من أجل إرضاء إسرائيل، حسب جريدة «هآرتس 24/‏5/‏2017»، وحسب «القناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي 23/‏5/‏2017»، فإن الرئيس «ترامب» أعطى الضوء الأخضر لمواصلة البناء الاستيطاني في الضفة الغربية، لدرجة أن موقع المصدر الإلكتروني العبري «24/‏5/‏2017»، اقتبس عن جريدة «معاريف 23/‏5/‏2017»، التي استندت إلى مصدر سياسي إسرائيلي مطلع على المحادثات مع الولايات المتحدة، وعلى زيارة «ترامب» لإسرائيل، بان القضية الفلسطينية عادت (100) سنة إلى الوراء، وأثنى المصدر الإسرائيلي على موقف الولايات المتحدة الجديد حول القضية الفلسطينية مؤكداً أن السلطة الفلسطينية لم تحصل على ضمانات مسبقة فيما يتعلق بنتائج المفاوضات القادمة مع إسرائيل، وأضاف المصدر بأن اليمين الإسرائيلي يحتفل في أعقاب زيارة «ترامب»، لأنها لم تسفر عن أي نتائج بالنسبة للفلسطينيين. من أغرب ما قرأته رسالة الرئيس «ترامب» الموجهة إلى الملك السعودي، قوله لقد حان الوقت لتحقيق السلام، فمثل هذه الرسالة يجب توجيهها لـ «نتنياهو» الذي يشكل العقبة الكأداء أمام تحقيق السلام، وليس العرب، حتى أن «جريدة هآرتس 23/‏5/‏5017»، نقلت عن الرئيس الأمريكي قوله إن جميع الزعماء العرب الذي اجتمع بهم، وبشكل خاص خادم الحرمين الشريفين الملك السعودي، وضعوا أمامه القضية الفلسطينية لتحقيق عملية السلام الشامل، وأنهم يريدون حدوث تقدم في عملية السلام الإسرائيلي-الفلسطيني، وقال: إن العالم العربي يريد سلاماً، كما أن الرئيس الفلسطيني «أبو مازن» يريد تحقيق السلام وإنهاء الاحتلال، وأنه أي «ترامب» مصر على العمل حتى النهاية من أجل التوصل لاتفاق سلام، لكن «ترامب» لا يحمل مشروعاً واضح المعالم لتحقيق السلام، والفلسطينيون لا يريدون كلاماً ووعوداً، بل تحقيق السلام والأمن، وعليه أن يقول من هي الجهة المعطلة لتحقيق هذه الفرصة النادرة على حد تعبيره، إن لم تكن إسرائيل.

والغريب أيضاً أن «ترامب» يطالب الرئيس الفلسطيني بعدم وضع شروط مسبقة للمفاوضات، في الوقت الذي تضع فيه إسرائيل الشروط، منها عدم العودة إلى حدود العام 1967، القدس عاصمة إسرائيل الأزلية، والاستمرار في البناء الاستيطاني، إذا فإن إسرائيل هي التي تضع الشروط، أما الفلسطينيون فإنهم يريدون مرجعية لهذه المفاوضات، واكتفوا بالتفاهمات التي توصلوا إليها مع رئيس الحكومة الاسبق «ايهود اولمرت»، لاستئناف المفاوضات التي توصلوا إليها مع «اولمرت»، وهنا السلام بحاجة إلى دور أمريكي فعال وضاغط لتحقيقه إذا كان «ترامب» يريد السلام والدخول إلى التاريخ كصانع للسلام.

وأخيراً... فقد فشل «ترامب» فشلاً ذريعاً في تحقيق الهدف الذي جاء من أجله، فإن الفارق بين المواقف الإسرائيلية البعيدة عن السلام، وعن الشرعية والقانون الدولي بعيدة جداً، رغم أن كل الأبواب العربية فتحت أمام «ترامب»، وبالتالي أمام إسرائيل التي تفضل الاستيطان والتوسع عن السلام، وكل ما لجأ إليه «ترامب» بعد هذا الفشل الذريع، قراره بإرسال مستشاره السياسي الخاص للشرق الأوسط «جيسون غريت بيلان» الذي سيصل إسرائيل قريباً، للإعداد لمؤتمر دولي للسلام، أي ما لم ينجح «ترامب» في تحقيقه، يرسل مبعوثه الخاص لعله ينجح بما فشل به «ترامب»، وخلاصة القول فإننا كلما اقتربنا من السلام، فإنه يبتعد عنا، ولا نعرف لماذا ستكون الخطوات الأمريكية المقبلة، في أعقاب فشل «ترامب» في تحقيق السلام، وما هي الخطوات الفلسطينية والعربية للخروج من هذا المأزق.

مدير دار الجليل للنشر والدراسات الفلسطينية