التنمية كمشروع حضاري

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٠٤/يونيو/٢٠١٧ ٠٤:٣٠ ص
التنمية كمشروع حضاري

محمد محفوظ العارضي

لا شك أننا في الوطن العربي حالنا كحال بقية العالم، نقف في هذه المرحلة التي أفرزتها تجربة اقتصادية انتهت بأزمة مالية عالمية، أمام منعطف تاريخي مهم، مطالبون بأن نحدد توجهاتنا الاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي ترسم ملامح الزمن القادم. وبالنظر إلى ما آلت إليه مسيرة العالم السابقة، على توجهاتنا الحالية أن تكون مختلفة من حيث الجوهر عن توجهاتنا السابقة، فحالة النمو التي شهدها الاقتصاد العالمي ما قبل عام 2008، لم تمنع التفاوت الاجتماعي في مستويات الدخل والمعيشة، ولم تقلّص الفوارق الضخمة بين دول الجنوب والشمال... ولم تحمِ البيئة من الاستنزاف أو المناخ من التلوث، وقطعاً لم تعزز حالة الانسجام والتعايش بين الثقافات والمذاهب والعقائد... هذا إن لم تكن قد ساهمت في تفجيرها بسبب التهميش الذي غذّى ثقافات التطرّف والكراهية وتسبب فيما نشهده من حروب. إن الاقتصاد- صانع الثروات المادية- قد يكون في الوقت نفسه صانع المآسي والنكبات. فكلما تراكمت الثروة في أيدي نخبة قليلة، تراكم على الجهة الأخرى عدد الفقراء والمهمشين الذين لا يجدون للتعبير عن الظلم الذي يتجرعونه ليل نهار سوى العنف والكراهية. نحن هنا لا نبرر العنف والجريمة مهما كانت أسبابهما، بقدر ما نحاول فهم تلك الأسباب ونزع الذرائع من يدي أولئك الذين يستغلون هذه الأسباب لترويجها. كما لا نريد من خلال هذه المقالة أن نطرح أفكاراً مثالية حول اقتصاد قد لا يجد له مكاناً في الواقع اليومي المزدحم، لكننا سنحاول أن نفتح أبواباً للجدل العلمي حول جزء من الأسباب التي أوصلت الحالة العربية إلى هذا الانقسام والتردي، وسنحاول أن نضع خطوطاً عريضة لمرحلة نمتلك فيها رؤية اجتماعية واقتصادية واضحة حول ما نريد. إن فهم مسببات الصراع أفضل بكثير من التغاضي عنها والانغماس في حالة الاستقطاب والانحياز لجهة على حساب أخرى، فمسيرة التنمية لن تنجح بدون بناء مجتمع منسجم وموحد في طاقاته وتصوراته... مجتمع مؤمن بأنه يعمل لذاته وأن ناتج عمله لن يسلبه منه أحد، وهذه مسؤولية النظام الاقتصادي بمؤسساته أكثر من كونها مسؤولية النظام السياسي. النظام السياسي متغيّر على عكس ما تراكمه الأمم من منجزات اقتصادية. لا تنمية بدون استقرار، ولا تنمية بدون ثقة جماعية بالغد، ولا تنمية بدون حماية القيم والمبادئ التي تشكّل جوهر النسيج الاجتماعي والثقافي للأمة. وأي حديث عن التنمية بدون مواجهة جذور التفكك هو حديث عقيم ومثالي ولا يملك أي فرصة للنجاة على أرض الواقع، وأيضاً أي حديث عن تنمية قُطرية لا يأخذ بعين الاعتبار ما يجري من أحداث على الساحة الإقليمية، لا يعدو كونه تأجيلاً للصدمة التي ستتجلى في أبشع صورها عندما تفرض هذه الأحداث ذاتها بالقوة على مسيرة ومخططات كل دولة.

لقد أغرق العالم ذاته في مظاهر التمدن بدون أن يولي أي اهتمام ببناء حضارته. والتمدن شيء والحضارة شيء آخر، بل قد يتناقض التمدن في تركيزه على المظاهر المادية كدليل على تطوره مع مقتضيات الحضارة كافة. إن التمدن يُقاس اليوم بالقدرة على استهلاك الكماليات: فنادق فخمة، سيارات فارهة، ملابس باهظة الثمن... الخ، وخلف هذا المشهد يغيب الملايين من البشر الذين لا يستطيعون تأمين قوتهم، وخلف هذا المشهد أيضاً يكمن الدليل على عجز هذا الشكل المتمدن من الاقتصاد عن تحقيق العدالة والمساواة في الحقوق والفرص. لا يمكن للحضارة إلا أن تكون نتاجاً إنسانياً جماعياً، ونتاجاً للعلاقات والقيم والمبادئ الأساسية التي تشكل روح القانون وجوهر النظام السياسي وقواعد العدالة في توزيع ناتج الثروة- ولن أقول هنا توزيع الثروة بحد ذاتها- وأهم ناتج لهذه الثروة هو الحق الجماعي في التعليم والعلاج والحصول على الخدمات الأساسية وتوفير السكن الملائم والغذاء والصحي. وهنا تصبح المدنية ثمرة من ثمار الحضارة ونتيجة لمرحلة متقدمة من تطورها وليس غير ذلك. إذن، كيف للاقتصاد أن يكون صانع حضارة وليس صانع تمدن؟ وكيف له أن يساهم في حماية القيم الحضارية المعنوية التي نرى ونعاني نتائج غيابها عن علاقاتنا الإنسانية؟ وبسؤال أكثر مباشرةً: هل يمكن لنا أن نرسي قواعد متينة لاقتصاد عادل؟

إن التركيز على مراكمة الربح في وسط محيط هائج من التنافسية الشرسة بين الشركات العالمية، أدّى إلى إهمال الآثار السلبية الحادة لهذه الرغبة الملحة في التميّز على البيئة والمناخ والمجتمع، وتوظيف هذا الربح في دائرة النمو عبر عمليات مالية ورقية وهمية لا وجود لها في واقع الإنتاج والتشغيل وتوفير السلع، سلب كميات هائلة من السيولة، وحرم ملايين البشر من الاستفادة من نتائجها. لا يختلف اثنان على أن الأسباب الحقيقية التي تقف خلف توجه الشركات متعددة الجنسيات نحو بلدان العالم الثالث، هي الاستفادة من التفاوت الكبير في أجور الأيدي العاملة وأسعار الخدمات والمواد الأولية وقيمة صرف العملات. وهذه الأسباب لا تشمل رغبة هذه الشركات بالمساهمة في تنمية دول العالم الفقيرة ورفع مستويات معيشة شعوبها. في قمة منتدى دافوس الذي عُقد العام 2010، أي في خضم تداعيات الأزمة المالية العالمية، أجرى المشرفون على المنتدى استطلاعاً للرأي حول الأزمة الاقتصادية العالمية شمل 130 ألف شخص من مواطني عشر دول من دول قمة العشرين. وجاءت النتيجة أن ثلثي الذين تم استطلاع رأيهم يرون أن الأزمة ليست اقتصادية فقط، وإنما أزمة أخلاق وقيم أيضاً، وأن ربع الشركات العالمية فقط تراعي الأخلاق والقيم الإنسانية الإيجابية في تعاملاتها الاقتصادية والتجارية. هذا الحال ينطبق على قوانين التجارة العالمية وتحرير رؤوس الأموال ورفع القيود الجمركية على البضائع، إذ ساهم تحرير التجارة في إفقار الشعوب التي لا تمتلك آليات إنتاج قادرة على منافسة الآليات العالمية، فوقع المزارع ضحية الشركات الزراعية الضخمة التي تنتج ملايين الأطنان لتغرق بها أسواق بلده، وحُرم العامل أو المهني من حقه في العمل لأن ما ينتجه من سلع لن يصمد أمام السيل الهائل من السلع ذاتها القادمة من خارج حدود بلده. ولعل هذه هي الأسباب الحقيقية التي تقف خلف معاداة الشعوب للعولمة وللعلاقات الاقتصادية العابرة للحدود، وهو عداء يستحق التوقف عنده ومراجعة مسبباته وعلاجها إذا أردنا مستقبلاً لا تتحول فيه العلاقة بين الجمهور والمؤسسات الاقتصادية إلى علاقة تناقض وصراع.أما في الوطن العربي وهو أكثر ما يهمني في هذه المقالة، فلا داعي للحديث عن أرقام تبرهن حجم البطالة والفقر والتهميش الاجتماعي. الحالة واضحة ونتائجها نختبرها اليوم على واقعنا ومستقبلنا ومكانتنا بين الشعوب، بل يجب التركيز على ممكنات الخروج من هذه الحال، أو على الأقل البدء بخطوات تقنع شعوبنا بأننا فعلاً جادون في إنجاز تنمية حقيقية عادلة وشاملة.

لقد تفجرت الصراعات في الوطن العربي عندما وجهت الشعوب غضبها نحو الساسة والنظم الحاكمة، ولن تحتاج هذه الشعوب للكثير من الوقت لتصحح بوصلتها وتوجه غضبها نحو المؤسسة الاقتصادية التي تمتلك من الصلاحيات وتمارس من التأثير أكثر من المؤسسة السياسية. إن علاقة السياسة بالاقتصاد في بعض البلدان العربية، هي علاقة تبعية الأولى للثانية، ومهما اختلفت النظم السياسية ستبقى المؤسسات الاقتصادية هي المهيمنة على الموارد والمالكة للسوق وصاحبة النفوذ في تحديد التوجهات العامة لسياسة الدولة. لهذا شهدنا في أكثر من بلد أن تغيير النظام لم يحدث تغييراً جوهرياً في واقع الأمور على الأرض بل قد يكون ساهم في تعقيدها بعد أن ضعف النظام السياسي والتشريعي والقانوني وبقيت الساحة خالية لهيمنة المؤسسات الاقتصادية بوجهيها المحلي والأجنبي.

إن الاقتصاد هو البنية التي تنتج النظام السياسي والاجتماعي، وهو العامل الأساس في رسم العلاقات بين الجمهور ومؤسساته وبين الفئات الاجتماعية التي يجب ألا يكون التفاوت بينها تناحرياً. الاقتصاد العادل الذي يُوجِد فرصاً حقيقية للعمل ويوسّع باستمرار من حجم بنيته الإنتاجية ويساهم في تعزيز القيم التي تشكل أساس حضارة الأمم وتقدمها، والذي يوفر الحق في التعليم والعلاج والخدمات، يشكل عامل استقرار وانسجام وأساساً لعلاقات التعاون والمشاركة الحقيقية. ما نريد قوله باختصار في هذا المقالة، هو أن النظم الاقتصادية مسؤولة عما آلت إليه الأمور، وتكون أكثر مسؤوليةً من النظم السياسية التي يلجأ البعض إلى تحميلها مسؤولية واقعنا الراهن. إن إغفال حقيقة مساهمة الاقتصاد سواء في الاستقرار أو في تفجير النزاعات ستكون نتيجته البقاء في هذه الدائرة المفرغة حيث تعيد ظواهر الظلم والفقر والتفاوت والغضب العام إنتاج ذاتها بدون توقف ولو أتت في كل مرحلة بشكل مختلف عن سابقتها.

رئيس مجلس الإدارة التنفيذي في انفستكورب

محمد محفوظ العارضي