الموبايلات بالمساجد

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠١/يونيو/٢٠١٧ ٠٤:٣٠ ص
الموبايلات بالمساجد

علي بن راشد المطاعني
ali.matani2@gmail.com

لم يكتف البعض بتصفح الواتساب في أوقات العمل وتضييع أوقات المراجعين خصما من ساعات العمل مدفوعة الأجر، والبعض الآخر لم يكتف بحالة كونه مدمنا على الواتساب إذ هو غارق حتى الأذنين في الجلسات العائلية أو الأصدقائية الأثيرية يتجاذبون أطراف الأحاديث التي لا نهاية تراجيدية أو كوميدية لها، فتلك لعمري أحاديث نسجت لكي لا تنتهي أبد الدهر، وهناك من لم يكتف بكل ذلك فنجده يتصفح ويرد على المسجات وهو في اجتماع رسمي غير آبه بمن معه وغير مكترث بجدول الاجتماع الذي يتناول قضايا تهم مصالح المواطنين، أو تلقى فيه أوراق عمل بالغة الأهمية إذا كان التجمع مؤتمرا، ففي تويتر والفيسبوك قضايا أهم من المؤتمر والمؤتمرين، متخليا عن مقعده في هذا التجمع عن طيب خاطر رغم أنه وفي ذات الوقت يشغل مقعده حسيا وغائب عنه معنويا ووجدانيا، فقد آل على نفسه أن يترك الجمل بما حمل للآخرين ليقرروا ما يريدون، وليشجبوا وليدينوا ما يرونه أحق بكل ذلك، فهو في نهاية المطاف موافق على كل شيء وأي شيء، فليس من شيمته الاعتراض، وليس من أخلاقه السباحة ضد تيار الجماعة فذلك في عرفه حرام.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقد تسلل الموبايل خلسة إلى باحات المساجد فشوهد أثناء خطبة صلاة الجمعة وقد أفلح في انتزاع صاحبه من عمق المواعظ التي تقال على لسان الخطيب مخضبة بآيات كريمات من كتاب الله ومزدانة بأحاديث نبوية شريفة، وأفلحت وسائط التواصل الاجتماعي في تأكيد حضورها القوي حتى في بيوت الله وفي خير يوم من أيام المسلمين يوم عيدهم الجمعة.
فهل هكذا أضحى حالنا، وهل تحت هذا الشجرة الشوكية عديمة الظل والظلال توقفت قوافلنا بعد طول مسير بحثا عن هاد وهداية وقد أضحت الهداية في هكذا حال بعيــدة المنـــال بما يكفي، وهل أفلحت هذه التكنولوجيا في قطع أواصر علاقتنا المقدسة مع خالقنا ومع كتابنا ومع نبينا صلى الله عليــه وسلم، وهل صلاة الجمعة المشار إليها في القرآن الكريم والمقترنة بأمر إلهي صريح بأن اسعوا إلى ذكر الله، هل هذا الأمر الجليل واجب التنفيذ ما عاد يُنظر إليه كأمر لا جدل ولا جدال فيه بعد أن وسوس شيطان الموبايل في تلكم الآذان فصدها عن الذكر وعن الصلاة.
وفي هكذا موقف هل يجوز إصدار أمر دنيوي تُمنع فيه الموبايلات من دخول المساجد اتقاء لذلك الذل الأليم؟.. ولو بالفعل صدر مثل هذا الأمر، فهل ذلك يعنى أننا قد فرضنا التقوى على حملة الموبايلات في المساجد، وهل التقوى المعنى والتقوى الكلمة تفرض بقوة القانون الدنيوي، هل يمكننا الزعم بأننا وقد نزعنا الموبايل ممن جاء يحمله عند باب المسجد هل ذلك يعني أننا قد أجبرناه فعلا على حسن الاستماع للإمام وهو يخطب، ذلك كله لن يفيد ولن يغني شيئا فالتقوى في القلوب فقط، والقلوب لا يمكننا الادعاء أننا قد ملكناها، هذا شيء بعيد المنال.
في الجمعة الأخيرة كان بجانبي شخص يتصفح حساب تويتر وعلائم الارتياح بادية على محياه، لو سألناه عند انتهاء الصلاة ماذا قال الإمام في الخطبة هل يستطيع الإجابة، بالتأكيد لا يستطيع لسبب واحد وبسيط هو أنه لم يكن بين المصلين، كان غائبا، والغائب لا يسأل عما دار في غيابه.
حتى الأطفال سرت بينهم العدوى فنرى نغمات وأغنيات وأضواء صفراء وحمراء وبألوان الطيف تنطلق من جيوبهم تبدد خشوع الصلاة في يوم الجمعة، ذلك هو الموبايل الشيطان يمارس لعبته المفضلة منذ الأزل، تلك هي (الغواية)، فرسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه أوقف مرة الخطبة للتنبيه لسلوك يتعارض مع هيبة الخطبة وقدسية يوم الجمعة.
قد نرى البعض يقرأ القرآن من موبايله وهذا أمر لا غبار عليه إلا إنه يؤسس للظاهرة محور الحديث وهي جلب الموبايلات لباحات المساجد، حيث يحدث كل هذا الذي ذكرنا، فالمصحف الشريف ككتاب هو مقدس وتصفحه فيه أجر والقراءة منه فيها أجر، ولكن الموبايل ليس مصحفا ولن يكون، فهو يضم بين ثناياه الكثير المثير والخطر، ولا داعي للإفصاح فجميعنا يعلم.
بعض الموبايلات الشيطانية يتم ضبط مواعيد الأذان فيها على مدن أخرى داخلية وخارجية، فيصدح الأذان على مواعيد تلك المدن، هنا قد تحدث حالة من الإرباك والارتباك بين المصلين أو حتى في الطرقات والأسواق والمنازل.
نأمل من الجميع ‏الكف عن إزعاج المصلين بموبايلاتهم الشيطانية فهذه الأمكنة مقدسة ويجب أن تحترم.