
أدريان بريدجووتر
سيبقى هذا الجدل مطروحاً طوال العقد المقبل، مع دخول اقتصادات منطقة الشرق الأوسط العصر الرقمي القائم على التكنولوجيا متساوية بذلك مع دول العالم الأول في كل أنحاء العالم، يبرز السؤال عما إذا كانت المنطقة جاهزة للبدء في إنشاء قاعدة بياناتها الخاصة بأصحاب المهارات التكنولوجية ذوي الأصول العربية؟
ولمزيد من التوضيح، فإن منطقة الشرق الأوسط تعد أرضاً خصبة لتطبيق التكنولوجيا، مع اعتمادها لمبادئ الحوسبة السحابية بشكل متقدم، والمعدل الممتاز لانتشار الهاتف المتحرك والذي يعد من بين أعلى المعدلات في العالم على الإطلاق. لكننا لا نقصد بذلك عدد الحواسيب الشخصية أو الأجهزة اللوحية التي نشتريها، بل نقصد إيجاد القيمة الفعلية، والبرمجيات والخدمات المحركة لعملية اعتماد التكنولوجيا في عالمنا اليوم.
إذن، المشكلة المطروحة هنا هي مشكلة عدم المساواة وعدم التوازن. مع أن العالم العربي أصبح يجيد تماماً اعتماد التكنولوجيا وتنفيذ عمليات التطبيق المحلي المعقدة للبرمجيات بالغة التقدم ولهندسة الأجهزة، ما زلنا لا نجيد بناءها بأنفسنا. لذلك، في غالب الأحيان، نستوفد المبرمجين (عادةً ما يشار إليهم بلقب «مدوني الأكواد» كنوع من التدليل، نسبةً إلى الأكواد التي يكتبونها) من خارج العالم العربي، أو نستعين بمصادر خارجية لتلبية احتياجاتنا الخاصة ببناء مختلف التطبيقات من الدول ذاتها خارج العالم العربي كما لو كان هناك نوع من الجمود المبهم الذي يعيقنا عن التقدم.
سبق أن شيّد العرب الأهرام وعجائب البتراء وجرش وجامع بني أمية الكبير، قبل أن يشيدوا المدن الحديثة في دول الخليج. هل يستطيعون بناء البرمجيات اليوم؟ وإذا كانت الإجابة بنعم، ما هو نوع البرمجيات التي علينا أن نبنيها؟
يرى أيمن الشيخ، مدير قسم الحلول المعمارية لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا في شركة «ريد هات» للبرمجيات مفتوحة المصدر، أن التركيز على المواهب العربية الناشئة في مجال البرمجة يجب أن يكون موجهًا نحو ما يسميه برمجيات «أنظمة المشاركة والابتكار»، أي مجالات التفاعل بين تكنولوجيا المعلومات والبشر بحيث تكون تكنولوجيا المعلومات قادرة على تغيير سلوكنا.
ويقول أيمن الشيخ: «إن الشركات التي تشهد نموًا سريعًا للغاية في عصرنا الرقمي الحالي هي الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا التي تركز على تطوير التطبيقات. ومما لا شك فيه أن توفير بيئة مؤاتية أمام تلك الشركات الناشئة لتبدأ بممارسة أعمالها سوف يؤدي إلى استقطاب صفوة المطورين الموهوبين إليها، سواءً من داخل المنطقة أو من جميع أنحاء العالم. أما بالنسبة لدول المنطقة، فقد أصبحت دول الخليج مركزاً رئيسياً للشركات الناشئة وحاضنات الأعمال، حتى إننا نشهد بالفعل شركات مستحدثة تعتمد على تطبيقات يتم تطويرها داخل المنطقة، على غرار شركة كريم، وهي عبارة عن خدمة لحجز سيارات يقودها سائقون محترفون».
نظرًا إلى أن أيمن الشيخ يعمل لصالح شركة تأسست على مبادئ تشارك حقوق الملكية الفكرية عبر مجتمع البرمجيات مفتوحة المصدر، فإن شركة «ريد هات» التي يعمل لصالحها لا تفوت هذه الفرصة لكي تشيد بمزايا البرمجة المفتوحة باعتبارها سبيلاً رئيسيًا لنجاح العرب محليًا في مجال تكنولوجيا المعلومات.
يعتبر أيمن الشيخ أن العالم يتحرك نحو وضع معايير مفتوحة (في النهاية، حتى شركة مايكروسوفت التي كانت منغلقة على نفسها فيما مضى قد تقبلت الحوسبة المفتوحة بسعة صدر)، مشيرًا إلى أن هذه الحوسبة المفتوحة يجب أن تشكل جزءًا من النموذج السلوكي للعالم العربي بمجال تكنولوجيا المعلومات.
من هذا المنطلق، يقول أيمن الشيخ: «إن ريد هات تأخذ زمام المبادرة عن طريق عقد شراكات مع جامعات محلية في جميع دول الشرق الأوسط (سبق أن وقعنا عقود شراكة مع جامعتين في المملكة العربية السعودية وجامعة في الإمارات العربية المتحدة) لإنشاء «أكاديمية ريد هات « بهدف إعداد الجيل القادم لاكتساب المهارات المناسبة بمجال البرمجيات مفتوحة المصدر. لا شك أن هذا سيدعم النمو العضوي لمطوري البرمجيات فائقي التخصص والمهارة في جميع دول المنطقة».
لكن هذا النوع من الشراكات لا يقتصر فقط على الإمارات العربية المتحدة، فقد برزت الأردن ومصر ولبنان باعتبارها «القوة الدافعة الرئيسية» لمجال تطوير البرمجيات في المنطقة. والسؤال هو إلى أي مدى يمكن أن ينمو هذا القطاع بمزيد من التشجيع والدعم؟
تشغل ماريتا ميتسشين منصب النائب الأول لرئيس معهد SAP للتدريب والتطوير التابع لشركة SAP الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والعضو المنتدب بمجلس إدارته.. تأسس هذا المعهد في أواخر العام 2012، وهو يعنى بتقديم برامج مصممة خصيصًا لتوفير مهارات تكنولوجيا المعلومات وإدارة الأعمال.
وتعتقد ميتسشين أن شركات التكنولوجيا الدولية ليست مضطرة لنقل مطوري البرمجيات الموهوبين لديها من الأجانب إلى منطقة الشرق الأوسط، مشددةً على أنه ينبغي على تكتلات الشركات الدولية أن تقدم الدعم لرواد الأعمال المحليين وأن تخلق فرص العمل أمام الشباب المحلي.
في هذا الصدد، صرحت ميتسشين: «تتمتع منطقة الشرق الأوسط بإمكانيات قوية في مجال الشركات الناشئة؛ ويرجع الفضل في ذلك إلى رؤى الحكومات المختلفة في المنطقة، ومتانة البنية التحتية التكنولوجية القائمة فيها، وقاعدتها التعليمية القوية. وبما أن شركة SAP الشرق الأوسط وشمال أفريقيا واحدة من كبرى شركات التكنولوجيا في العالم، فإنها تضطلع بتطوير الشراكات الأكاديمية بين القطاعين العام والخاص والتي تهدف إلى تبادل الممارسات المتميزة المطبقة في هذا المجال بغرض تمكين خريجي الجامعات المحلية، وضمان أن تتمحور المناهج الأكاديمية فيها حول التكنولوجيا وأن تدعم رواد الأعمال في مجال التكنولوجيا».
كما كوّن معهد SAP للتدريب والتطوير مهارات ومعارف تعكس القيمة المحلية المضافة، التي تقدَّر بـ 110 ملايين دولار أمريكي (404 ملايين درهم إماراتي)، في جميع أرجاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأوسع نطاقًا.
إن اسم المعهد يُترجم من مصطلح ألماني أصلي يعني «تحليل البرمجيات والبرمجة»(SAP). ومن ثم، يمكننا اليوم أن نرى أنه يحاول التمسك بجذوره من خلال تعليم ما يسميه «المهارات الناعمة» في ورش العمل التي يعقدها بالمنشآت التابعة له في منطقة الشرق الأوسط.
قالت ميتسشين معقبة على هذا الموضوع: «بعد إنهاء المشاركين البرنامج بنجاح، يتخرجون بدرجة استشاريين مشاركين في شركة SAP. في هذه المرحلة، يكون الخريجون جاهزين سواء للانضمام للقوى العاملة بالشركة؛ كي يصبحوا موظفين شديدي الأهمية داخل منظومة SAP التي تتألف من شركائها وزبائنها... أم لتأسيس شركاتهم الخاصة. لقد قمنا خلال مبادراتنا التدريبية بتعريف أكثر من 20.500 طالب وخريج من جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على الحلول المبتكرة التي وضعتها شركة SAP حتى الآن».
مع استقطاب هذا الموضوع لمزيد من الاهتمام والتحليل والدعم، يمكننا أن نلحظ عدداً من العوامل المتكررة فيه. من الواضح أن الدعم الحكومي لمهارات تكنولوجيا المعلومات عامل أساسي، ولكنه يحتاج إلى أن يأخذ شكل شراكات بين القطاعين العام والخاص، لاسيما الشراكات الأكاديمية بين القطاعين العام والخاص المصممة بحيث تغرس تلك المهارات لدى السكان المحليين بينما لا يزالون في سن التحصيل الدراسي.
وعند التعمق في الأمر أكثر، نجد أن عملية تطوير مهارات البرمجيات لدى العرب تحتاج إلى أن يتم تعديلها بحيث تنتج تطبيقات على مستوى المؤسسات تمتاز بكونها واقعية فعلًا وقابلة للاستخدام. إن تجسيد الفكرة الخاصة بتطوير موقع إلكتروني مشابه لموقعيّ تويتر وفيسبوك من حلقة عمل تطوير البرمجيات باللغة العربية أمر ممكن الحدوث، حتى لو كان يحتاج إلى تطوير برمجيات تناسب الاحتياجات الفورية للمستخدمين بشكل أكثر تحديداً.
في الختام، وإذا كنا قد تقبلنا فكرة عدم قدرتنا على تكرار تجربة وادي السيليكون في الشرق الأوسط، إلا أنه يجب أن نمتلك المبادئ الأساسية لانتشار التكنولوجيا ذاتها. إن الحمض النووي للابتكار لا يتدفق من مكان إلى آخر دون مجرى يتيح ذلك، وهذا المجرى هو المجتمع. هل يستطيع العرب بناء البرمجيات؟ بلى، يستطيعون، لكنهم يحتاجون فقط إلى سبب ومكان يتواجدون فيه.
وهم بحاجة كذلك إلى الدعم - دعم القطاع والتعليم والحكومة والمجتمع ككل. لا شك أن مستقبلنا يكمن في التكنولوجيا - وإن كان تحديد دورنا في تحقيق هذا الابتكار وهذه القيمة الجديدة مرهون بنا.