لورا تايسون
ليني ميندونكا
ما تزال أمريكا منقسمة بشكل عميق فيما يتعلق بالعديد من القضايا الاقتصادية والسياسية وبينما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يروج لإنجازات المائة يوم الأولى له في الحكم قامت محكمة فيدرالية بالاستجابة لشكوى قانونية والتي تقدمت بها مناطق عدة لها سلطات وأوقفت أمره التنفيذي الذي يحرم الولايات والمدن التي توفر ملاذا للمهاجرين من التمويل الفيدرالي.
طبقا للحكم فإن أمر ترامب ينتهك بند من الدستور يتعلق بفصل السلطات والضمانات المتعلقة بالإجراءات القانونية والتعديل العاشر الذي ينص «إن السلطات التي لا يتم التفويض بشأنها للولايات المتحدة من قبل الدستور أو لا يتم تحريمها على الولايات تعد من حقوق الولايات أو حقوق الناس «أي بعبارة أخرى يمكن للولايات والمدن التعاون مع الحكومة الفيدرالية، وذلك بتنفيذ السياسات الفيدرالية ولكن التعديل العاشر يوفر الأساس القانوني لها لتحدي أو مقاومة السياسات الفيدرالية التي تتعارض مع أهدافها (في هذه الحالة توفير الحماية للمهاجرين الذين لا يحملون وثائق إقامة من الاعتقال أو الإبعاد).
إن احتياجات السكان تختلف على نطاق واسع في طول البلاد وعرضها والفيدرالية تساعد في التحقق من التعامل مع تلك الاحتياجات. إن بإمكان حكومات الولايات والبلديات تطبيق السياسات بشكل أكثر فعالية عندما تكون حرة في البحث عن الإفكار المحلية وإبرام شراكات محلية مع اللاعبين غير الحكوميين.
إن البرامج التجريبية والتجارب في السياسات على المستوى المحلي تعمل على تسريع الابتكار إذ تستطيع السلطات إغلاق البرامج غير الفعالة بسرعة وتوسيع عمل البرامج الناجحة ونظراً لأن النهج الفيدرالي يشجع الشفافية والمساءلة في كيفية تطبيق السياسات فهو أيضا يعزز من ثقة العامة في المؤسسات الحكومية والمسؤولين المنتخبين ولهذا السبب أبقى معظم الأمريكان على ثقتهم في حكومات الولايات والحكومات المحلية على الرغم من وصول ثقتهم في الحكومات الفيدرالية للحضيض.
إن مسؤولي الولاية والبلديات عادة ما يكونوا مسؤولين عن تطبيق السياسات الفيدرالية- المتعلقة بالرعاية الصحية والتعليم والتوظيف وتطبيق القانون وحماية البيئة- التي تؤثر بشكل مباشر على حياة الناس والحكومة الفيدرالية بدورها تستخدم مجموعة متنوعة من الأدوات لتشجيع الابتكار بين حكومات الولايات والحكومات المحلية بما في ذلك الإعفاءات وعقود الدفع على أساس الأداء والمنح التي تعطى بعد التغلب على التحديات. إن الإعفاءات والمرونة التي تعطى للولايات في برنامج الرعاية الصحية ميديكايد هي في قلب المعركة السياسية المزعجة والمتعلقة بالرعاية الصحية.
خلال العقد الفائت قامت العديد من الحكومات المحلية وعلى مستوى الولاية بتركيز اهتمامها على السياسة البيئية ففي سنة 2006 قامت 12 ولاية برفع دعوى على وكالة الحماية البيئية بسبب فشلها في تصنيف غازات الدفيئة على أنها ملوثات ومن أجل أن يتم تنظيمها على هذا الأساس وفي سنة 2007 قامت المحكمة العليا بإصدار قرار بأغلبية 5 مقابل 4 مؤيد للولايات وفي سنة 2009 خلصت وكالة الحماية البيئية إلى نتيجة مفادها أن بعض غازات الدفيئة على وجه التحديد تعرض للخطر الرفاهية العامة. إن هذه النتيجة وضعت الأساس لإدارة أوباما لصياغة المقاييس الجديدة لانبعاثات المركبات وخطة الطاقة النظيفة من أجل مساعدة أمريكا على التقيد بالتزاماتها بموجب اتفاقية باريس للمناخ لسنة 2015. لقد وقع ترامب الآن أمراً تنفيذياً بالتراجع عن خطة الطاقة النظيفة، إذ ادعى وبشكل متناقض أنه يريد إضعاف الأحكام المنظمة الفيدرالية كوسيلة لإعادة السلطة للولايات، ومع ذلك فإن العديد من الولايات هي بالفعل في المسار الصحيح من أجل تحقيق أهداف الانبعاثات حسب الخطة كما أنشأت تلك الولايات مقاييس خاصة بها تتعلق بالانبعاثات والطاقة النظيفة، وأنظمة تقديم الحوافز مقابلة تخفيض الانبعاثات ولقد انضمت العديد من الحكومات البلدية للمعركة ضد انبعاثات الكربون عن طريق توسيع النقل الجماعي، وجعل المباني الحكومية أكثر فعالية من حيث كفاءة استخدام الطاقة.
إن كالفورنيا تقود تلك الجهود فلقد قامت بتطبيق المقاييس الأكثر صرامة فيما يتعلق بانبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الولايات المتحدة الأمريكية وهي قائدة في تحالف «أندر يو تو» وهي مجموعة تضم 170 حكومة على المستوى الوطني والمحلي (تمثل 37% من الاقتصاد العالمي)، ملتزمة بتحقيق أهداف اتفاقية باريس المتعلقة بالانبعاثات. تستطيع حكومات الولايات والحكومات المحلية بالإضافة إلى السعي لتحقيق سياساتها البيئية الخاصة بها أن تقاوم أو تقوض السياسات الفيدرالية كذلك فبادئ ذي بدء فإن بإمكانها الامتناع عن اتخاذ إي إجراء كما لاحظنا من ردة فعل بعض الولايات على الإصلاحات الفيدرالية للتعليم أو بإمكانها حجب الموارد على مستوى الولاية واللازمة من أجل تطبيق القوانين الفيدرالية مثلما فعلت الولايات التي قررت عدم تجريم الماريجوانا، وكما تفعل الولايات والمدن التي توفر الملاذ للمهاجرين. إن المواجهة المتعلقة بالهجرة سوف يتم الفصل فيها في نهاية المطاف في المحاكم وترامب قد خسر بالفعل أول معاركه هناك.
طبقا للفيدرالية -سواء كنت متعاون أو غير متعاون- هناك عادة افتراض بإن الحكومات المحلية وعلى مستوى الولايات تسعى لتحقيق الأهداف نفسها وفي واقع الأمر هناك انقسام حاد بين المدن المؤيدة للحزب الديمقراطي والتي تميل لليسار وبين الولايات المؤيدة للحزب الجمهوري والتي تميل لليمين والتي تضم العديد من تلك المدن علما أن هناك عدة أساليب تستطيع حكومات الولايات بموجبها أن تحبط الفيدرالية التقدمية على المستوى البلدي. إن المدن عادة ما تفتقد للمعلومات والموارد اللازمة لتطوير وتنفيذ سياسات فعالة حيث ظهرت العديد من المنظمات من أجل تقوية القدرات على صنع السياسات على مستوى حكومات المدن بما في ذلك منظمة برنامج الابتكار الحكومي لمايكل بلومبيرج ومنظمة فيوز كوربس ومنظمة النتائج لأمريكا ومنظمة التمويل الاجتماعي ومنظمة شركاء رؤوس الأموال للقطاع الثالث ومنظمة حقائق الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد كانت هناك معارك قانونية عدة مؤخراً بين حكومات المدن والمجالس التشريعية في الولايات تتعلق بمبدأ الاستباقية والذي يرى بإن لقوانين الولاية الغلبة على القوانين المحلية وطبقا لمنظمة بريمبشن واتش قامت 36 حكومة على مستوى الولايات على أقل تقدير سنة 2016 وحدها-معظمها بقيادة الجمهوريين – بعمل إستباقي ضد المدن عن طريق تقديم قوانين تتعلق بمجموعة عريضة من القضايا تشمل الحد الأدنى للإجور والحماية البيئية والسيطرة على تجارة السلاح وتقنية التكسير من أجل استخراج النفط والغاز والهجرة والأوامر المتعلقة بمكافحة التمييز كما قامت 42 ولاية بوضع قيود على الضرائب والنفقات في مدنها.
إن الصراع السياسي بين الولايات الجمهورية والمدن الديمقراطية سيستمر على شكل معارك قضائية وتشريعية مع ظهور مبادرات جديدة يقودها المواطنون. لقد بدأت تظهر بالفعل حركة شعبية جديدة للفيدرالية التقدمية تعكس السلطات الممنوحة للمواطنين بموجب التعديل العاشر إذ يتضح ذلك في المسيرات الضخمة للمواطنين ومبادرات المجتمع المدني التي يتم التنسيق بشأنها والتي تدعو لنظام يعتمد على التصويت الشعبي وإعادة تقسيم المناطق الانتخابية وتسجيل الناخبين التلقائي وزيادة الحد الأدنى للأجور.
لم يحقق ترامب الكثير في أول 100 يوم له ولكنه قام بدون قصد بتذكير العديد من الأمريكان بإن الدستور الأمريكي يفوض سلطات سياسية معتبرة للولايات والمدن والمواطنين كما إن إدارته سلطت المزيد من الضوء على أهمية وجود قضاء مستقل والذي سيشهد خلال السنوات المقبلة خوض معارك بين الكيانات الحكومية المحلية والفيدرالية وعلى مستوى الولاية.
لورا تايسون:الرئيسة
السابقة لمجلس المستشارين الاقتصاديين لرئيس الولايات المتحدة،
ليني ميندونكا: المدير
السابق لماكينزي آند كومباني