
على بن راشد المطاعني
من المستغرب أنه عندما يطمئننا مسؤول في الحكومة عن الأوضاع الاقتصادية في الدولة ويؤكد لنا استقرار الجوانب المالية وثبات الاحتياطيات، تقوم الدنيا ولا تقعد، وعلى الفور تشهر أسلحة الدمار الشامل أقصد أسلحة السب والقذف والتشكيك والتهويل وغيرها.
وعلى الطرف الآخر أو على النقيض من ذلك، فحين تصدر وكالة دولية تصنيفا ائتمانيا أو مؤشرا ربما كان ضعيفا وهشا وتنقصه الدقة والأمانة والواقعية والأنكى أنه قد يكون مسيّسا ومغرضا، فنجد من يستقبله بالتهليل وبالترحاب وبالحفاوة، لا لشيء إلا لأنه أثار المخاوف وبث الرعب وغطى سماواتنا بسحابة ضبابية لا تسمح بسقوط أشعة الشمس على الأرض.
والسؤال المشروع يخرج تلقائيا من تحت الركام والرماد هو: أي التصريحات أو البيانات أحق بالحفاوة والترحاب؟
هل تلك المطمئنة والصادرة من المسؤولين وهم أصلا على دراية ومعرفة بأوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية ويعلمون بأسرارنا المالية وأرقام احتياطياتنا النقدية، وهم وفوق ذلك يتحملون نتائج وتبعات ما يصرحون به في تأكيد واضح على ثقتهم بما صرحوا به، أم ما يصدره أولئك رغم علمنا بأنهم لا يملكون كل الحقائق فيما ارتكزوا عليه في تقاريرهم، وهل نرغب فعلا في الوقوف على مسارات التنمية في كل أجزاء الوطن المقدمة بالأرقام والإحصائيات والتي تصدرها الجهات الحكومية المتحملة لمسؤولية تبعات البيانات الصادرة عنها، أم لتلك التقارير التي يمكن تسميتها بالإشاعات والبيانات غير الدقيقة والمغرضة في بعض الأحيان، رغم تدثرها بأغطية الدولية البراقة، هو أمر يثير الكثير من علامات الاستفهام التي يستشعرها المتابع لهذه الحالة المريبة إزاء تعاطيها مع الشأن العام.ففي ظل هذا الشحن السلبي المضاد للواقع المعاش والذي يشوش على مصداقية الجهات الرسمية في تعاطيها الأمين مع مواطنيها مما يوحي ويشير إلى إن العملية قد تكون منظمة وتقف وراءها جهات مشبوهة تعمل على تغذية الروح السلبية والانهزامية والسوداوية وتأكيد زخم الإحباط في كل مفاصل المجتمع، والدليل واضح وهو أننا لا نرى حلولا يقدمها أولئك أو اقتراحات لما يزعمون بأنه خطأ، وتنصب كل جهودهم على تقيؤ الانتقادات التي لا تستند على أي حقائق أو مقارنات علمية ورياضية وموضوعية.
ومن المفارقات الغريبة إنه وعندما تسأل المنظرين عن ماذا عملت أيديهم وماذا قدمت سواعدهم للوطن ودورهم في إصلاح ذات البين الاقتصادي، فلن نجد إجابات شافية لديهم أو خطة عمل أو برنامجا مدروسا يمكن الاعتماد عليه، كل الذي نجده معهم، هو ضروب من الخيال الجامح لا يغني ولا يسمن من جوع، كما نجد مقارنات وفرضيات مجوفة تماما ولا تقوى على المشي كما لا تقوى على النهوض.
علينا أن لا نثق بتاتا بهذه المؤشرات التي تظهرها الجهات الدولية فهي متخمة بالمغالطات وموجهة لتحقيق أهداف لا تخفى علينا، إذ نحن بحمد الله نعي ونسمع ونرى.إن البيانات والإحصائيات التي تتدفق يوميا من المركز الوطني للإحصاء والمعلومات وغيره من الجهات الرسمية حول الكثير من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما لا نجده في الكثير من الدول، وكلها تظهر تقدما إيجابيا رغم الظروف الاقتصادية المعروفة، وهو ما يجب تقديره وتعزيزه وليس العكس بأي حال من الأحوال.
بل علينا أن نقدر أن أي إجراءات تتخذ في مثل هكذا ظروف استثنائية ليست مقصورة على السلطنة وحدها، فكل الدول تتخذ إجراءات أشد ليتسنى لها الخروج من الأزمات، وذلك يتم في العادة بدون ضجيج يذكر، لسبب واحد وبسيط وهو المجتمع يتفهم ما يدور حوله، وبالتالي لن يكون هناك أي دوي مفاجئ، إذ نتمنى أن نفوت الفرصة على أولئك بالمزيد من الوعي وبالمزيد من المتابعة الدقيقة لما يجرى بيننا وحوالينا، فالوعي والإدراك السليم هو مفتاح الفلاح أبدا.
بالطبع التحديات موجودة ولا ننكرها وتتضاعف يوما بعد آخر، وهناك إجراءات تتخذ لمواجهتها وجهود تبذل للموائمة بين الإيرادات والنفقات والبحث عن بدائل اقتصادية أيضا منحى يمضي على قدم وساق، ولكن كل تلك الجهود لن تؤتي أكلها بين ليلة وضحاها، وفي الوقت ذاته تحتاج إلى تفهم أكبر من شرائح المجتمع لهذه الإجراءات ومن ثم التعاطي معها بالإيجابية اللازمة والتي تعني بداية طمأنة الناس والكف عن دق الإسفين ما بين الأوساط الرسمية والشعبية من خلال بث تلك الأفكار.نأمل أن نثق بمسؤولينا وما يقومون به من جهود كبيرة في تخطي الأزمة الاقتصادية وبالتالي النظر بعين الأمل الصبوح للجهود والأيادي التي تبني ولا تهدم، تعمر ولا تدمر، وللألسن التي تلهج بالشكر للمتحقق في البلاد، لا بالأعين الساخطة التي لا تنظر إلا للمساوئ وحدها، غافلة عن حقيقة أن المولى عز وجل قال في محكم كتابة العزيز وفي سورة إبراهيم {لئن شكرتم لأزيدنكم} صدق الله العظيم.