
علي بن راشد المطاعني
في الوقت الذي ينتظر فيه أن تلعب المساجد دورا محوريا في توعية الناس بالجوانب الاجتماعية والحياتية والدينية والأخلاقية والسلوكية التي يحث ويحض عليها الدين الإسلامي الحنيف، نجدها غارقة في الجوانب العقائدية والوحدانية والفقهية فقط والتي يعلمها كل الناس منذ نعومة أظافرهم بل هم يحفظونها عن ظهر قلب، وأن الإيمان بها كامل ومستتب ولا يعتريه شك أو ريبة، هنا يتعين توعية أئمة المساجد والوعاظ بالجوانب الحياتية التي يجب أن تحظى بالاهتمام انطلاقا من الكتاب والسنة كأساس بطبيعة الحال وعكس ذلك على الأنماط الحياتية المحدثة باعتبار أن الدين الإسلامي الحنيف صالح لكل زمان ومكان هذا متفق عليه بطبيعة الحال. ولكن تبقى المفارقة في القدرة على ملاءمة ومواءمة تلك النصوص الخالدة مع حياتنا المعاصرة، وفي هذا النقطة تتفاوت مقدرات أئمة المساجد، فبعضهم لا يستطيع أن يفعل شيئا غير إيراد المواقف والمشاهد ذاتها وتكرارها، والمتمكنون وحدهم وهم أقلية يستطيعون تطويع تلك المشاهد في قالب حداثي شديد الجاذبية يجبر الناس على حسن الاستماع، هذا الصنف من الأئمة هم الذين يؤكدون دون سواهم رسالة المسجد في المجتمع.
ويمكننا ببساطة أن نوجز بعض القضايا الاجتماعية القديمة والحديثة والتي تحتاج إلى تسليط المزيد من الأضواء الباهرة عليها انطلاقا من آيات محكمات من كتاب الله فنجد في بر الوالدين متسعا للتوقف، فهي نقطة قديمة نعم لكنها جديدة كليا في عصرنا المعاش، إذ إن برهما ما عاد هو البر الذي نعرفه أيام السلف الصالح، إذ إن العقوق اليوم هو البادي للعيان والحاضر في الأذهان، وأن السخرية والتنابذ بالألقاب هو السائد الآن جهارا نهارا، وأن سوء الظن والكذب هي أعلام بارزة على ساريات مدننا وقرانا إلا قليلا، وأن القيل والقال والإشاعات تطلق ليلا ونهارا طعنا وقذفا وشتما بغير وجه حق وبدون دليل أو بينة أو برهان، وأن الأسرة نفسها تعاني لقاء الابتعاد عن الدين نهجا وسلوكا، فلا الزوج يعرف دوره في نطاق الأسرة ولا الزوجة تعلم مالها وما عليها، ولا الأبناء يعلمون عن دورهم تجاه والديهم، كل ذلك عالجه القرآن الكريم بالتفصيل والآيات التي أصابت كل هذا الترهل الاجتماعي موجودة كما نعلم ويمكن أن تتلى في الصلوات من قبل الإمام، وفيما قبل ذلك يمكن إشباعها تحليلا وتمحيصا وشرحا في الخطبة وفي الدروس في باحات المساجد حتى في ما بعد الصلوات المكتوبة.وبما أن داء التبذير قد تفشى في مجتمعاتنا وخلف من ورائه العديد من الضحايا فيجب أن يحظى هذا الوبيل بمساحة كافية في خطب الأئمة والوعاظ، ويجب أن يتكاتف المسجد مع الجهات الإعلامية الأخرى في معالجته والحض على الإمساك، فالدين الإسلامي أسهب في علاج الإسراف والتبذير لا في المال وحده ولكن حتى في الماء عصب الحياة.
إننا وعندما ندعو أئمة المساجد والخطباء إلى تسليط الضوء على هذه القضايا تعظيما لدور الدين في الحياة اليومية وتأكيدا للدور المحوري للمساجد في تقويم وتصحيح سلوكيات المجتمع وتعظيما لدور المسجد في مواكبة المستجدات الحياتية اليومية، فهذا لا يعنى أن ينأى الأئمة عن تلاوة الآيات الكريمة التي تدعو إلى الوحدانية وسرد سير الأمم السابقة لاستنباط العظات والدروس منها، ولكن ذلك يجب أن يمضي بالتزامن مع ما يسهم في معالجة قضايانا الحياتية اليومية.
بالطبع بعض الأئمة يعلمون ذلك ويقدرونه حق قدره ويسعون في تطبيق كل الذي ذكرناه فلهم منا جزيل الشكر وعميق التقدير، ولكن الأغلبية ليس لهم ذلك الوعي الكافي الذي يمكنهم من إقامة ذلك التوازن الدقيق والذي نحن في أمس الحاجة إليه في هذا المنعطف.
ثم نؤكد أن الخطباء والأئمة يجب أن يبحروا ويتبحروا في كل ضروب العلم والمعرفة الحديثة وأن يلموا بكل التكنولوجيا الإلكترونية في مجالات التواصل الحديثة، وأن يقفوا على جميع العلوم الإنسانية الحديثة كالتربية والاجتماع وعلوم النفس، وأن يطلعوا على قضايا المجتمع كافة حتى يتسنى لهم عكس ذلك في اختيار الآيات التي تتناول الوعكات الاجتماعية في قراءاتهم في الصلوات الخمس وبدون ذلك سيظل الخطيب أو الإمام غارقا في الفقهيات والعقائد والوجدانيات التي يعلمها الجميع وبدون أن يقدم إسهاما يشار إليه بالتقدير في معالجة قضايا المجتمع الملحة.
نأمل أن يتم التركيز في الصلوات الخمس على القيم والأخلاقيات في المجتمع وتكرار الآيات الداعية لتطبيق هذه المبادئ السامية، فالقرآن الكريم كتاب كامل وليس هناك أي جزئية اجتماعية لم يتطرق إليها، لذلك لابد من أن نفسح له المجال ليقود دفة الحياة في مجتمعاتنا إذ بدونه لن نساوي حبة خردل واحدة.