محمد محمود عثمان
ملف الصناعات الاستراتيجية في مصر شائك ومعقد ويعاني من خطر الإهمال منذ فترة ليست بالقصيرة، ولا سيما أن الصناعة تعد من الأعمدة الرئيسية للاقتصاد وزيادة الدخل وتشغيل الأيدي العاملة المتعطلة والباحثة عن العمل، وهي عناصر ضرورية لنجاح الخطط الاقتصادية ودفع قطار التنمية قدما للأمام، إذ توقفت آلاف المصانع والشركات وأصيبت ماكيناتها بالشلل التام، وبعضها يتعثر أو في طريقه للتوقف، بعد أن تضاربت الإحصائيات حول عدد المصانع المتوقفة أو المتعثرة التي تتراوح بين 45 إلى 70 ألف مصنع وشركة.
تشكل المسألة مأساة حقيقية حتى لو أخذنا بالرقم الأدنى إذا كانت الإحصائيات دقيقة، لأن معنى ذلك توقف قطار التنمية وخروج الاقتصاد عن المسار الصحيح، وزيادة المصانع المتوقفة والمتعثرة، وما يترتب على ذلك من الآثار السلبية، على المجتمع بكل طوائفه وطبقاته بدون استثناء لسنوات طويلة قادمة، مع تدني الإنتاجية والإنتاج، وهروب الأيدي العاملة الماهرة وهجرتها للخارج، مما يضع قطاع الصناعة في مصر الذي يستوعب نحو 18 مليون عامل بالقطاع الخاص في ظروف صعبة تهددهم وأسرهم بالتشرد، وسوف يزداد الأمر سوءا، خاصة إذا ظلت الأسباب التي أدت إلى ذلك قائمة في ظل الديون ونقص أو عدم وجود تمويل إلا بشروط صعبة، إلى جانب سوء الإدارة والتخطيط اللذين يمثلان التحدي الأكبر في هذا الملف، خاصة في صناعات الغزل والنسيج الذي تفوقت فيه الصناعات المصرية منذ الستينات، وكان المنتج المصري يعد القادر على المنافسة العالمية والتأثير السلبي لذلك على الاقتصاد القومي، إذ استشعر وجود مخطط لتدمير هذه الصناعات وسحب البساط من تحتها.
ويبدو ذلك من خلال، طرح بعض الأصول والأراضي للتمويل الذاتي، والاستغناء عن القوى العاملة الماهرة وإحالتها للتقاعد أوالمعاش المبكر، وإهمال قطاع التدريب، وزيادة عمليات التهريب من خلال المناطق الحرة، وإهمال زراعة الأصناف الجيدة أو التي تحتاجها المصانع كمادة خام، خاصة أن صناعة الغزل والنسيج في مصر تعاني من مشاكل هيكلية ضخمة، سواء ما يتعلق منها بالمواد الخام والآلات والمعدات أو بالقرارات الاقتصادية والسياسات الموجهة لها على المستوى القومي، وهي مشكلات ليست بجديدة أو وليدة هذه المرحلة، بعد أن فقدت صناعة الغزل والنسيج المصرية الكثير مما حققته في فترة الازدهار وقبل اتباع سياسات السوق الحرة في الثمانينات.
مع التحرر الاقتصادي والانفتاح على الأسواق العالمية واجهت تلك الصناعة منافسة شديدة في الأسواق العالمية لم تستطع معها الاستمرار والتنافسية في ظل مناخ غير داعم، مما انعكس على إنتاجية المصانع العاملة في هذا القطاع الاستراتيجي، والذي أثر بدوره على زراعة القطن كأحد مقومات الصناعات النسيجية، وبالتالي على القوى العاملة التي وجدت نفسها لا تمتلك مقومات العمل بهذه الصناعة نظرا لعدم تدريبها بالشكل الجيد، وأصبحوا أكثر عرضة للاستغناء عنهم، وسوف يظل هذا القطاع الحيوي على هذا الوضع المتردي، إذا لم نطرح مبادرات، ونجد خبرات متخصصة تنقلنا من الأفكار التقليدية والنمطية إلى صميم الإبداع، وتمكننا من الاستفادة الحقيقية من الإمكانات العلمية والمهنية والطبيعية، وضرورة وضع خريطة جديدة لزراعة القطن تتناسب مع احتياجات الصناعة المصرية، مع العمل على استنباط أصناف وسلالات جديدة من القطن القصير ومتوسط التيلة نظراً لانخفاض تكلفتها، والعمل على توجيه مزيد من الاستثمارات لهذا القطاع، وفق خطة طويلة الأجل على أن تتضمن الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وتنقية التشريعات الداعمة لهذه الصناعة خاصة، ما يتعلق بفرض رسوم إغراق على المنتجات النسيجية في الأسواق المصرية، وإصدار قوانين رادعة لمكافحة تهريب المنتجات النسيجية والتهرب من الضرائب والرسوم، والعمل على تطوير الشركات ذات الإنتاجية العالية في هذا القطاع الإستراتيجي، والتحول إلى الأساليب التكنولوجية ذات التقنية العالية وتدريب القوى العاملة عليها، بما يضمن خفض تكلفة الإنتاج ورفع القدرة التنافسية للمصانع المحلية للغزل والنسيج في مواجهة المنتجات الواردة من الخارج، وخاصة من الصين، والعمل على توفير التمويل اللازم للمصانع المتوقفة عن العمل في هذا المجال، أو التي تعاني من هلاك وعدم تحديث للآلات والمعدات فيها، لأنه من الضروري النهوض بهذه الصناعة، ووضعها في مكانتها العالمية السابقة، حتى تساعد على تعظيم دعم الصادرات وترشيد الاستيراد.
محمد محمود عثمان
mohmeedosman@yahoo.com