
علي بن راشد المطاعني
فاجأتني إحداهن باستقالتها من جامعة السلطان قابوس، سألتها لماذا، باعتبارها إحدى الكوادر الوطنية المؤهلة في المجالات العلمية، وتحمل شهادة الدكتوراه من جامعة أوروبية عريقة، إجابتها كانت صادمة بالنسبة لي، إذ قالت وعبر نبرة حزن واضحة، أولى لك أن توجه هذا السؤال للجامعة، وحتى هنا فإن نصف الإجابة قد وصلني وما تبقى لن يسمن ولا يغني عن إحساس مؤلم انتابني، إذ حز المبدأ في نفسي وقبل الدخول في صلب التفاصيل الدقيقة، بت أسال نفسي في حسرة كيف تستقيل مثل هذه الكوادر المؤهلة علميا ولا أحد يكلف نفسه عناء سؤالها لماذا فعلت ما فعلت، لاسيما أن الجهة المعنية هي جامعة السلطان قابوس منارة العلم الأسمى وشعلة الضياء الأكثر ضياء وتوهجا في هذا الوطن، وهل ترى ثمة مضايقات حدثت ووقعت أرغمت هذه الكفاءات العلمية على النأي بعيدا عن المكان اللائق بها؟
أردفت في سياق عرضها لاستقالتها أن هناك أخريات يسرن في ذات الخط الذي سارت فيه، ولم يسأل عنهن أحد ولم يستفسر أحد عن قرارهن والدوافع والأسباب والمسببات، كأن شيئا لم يكن وكأن كارثة لم تصم الآذان بدويها عندما سقطت على الأرض من شاهق.
هو أمر يطرح تساؤلات موضوعية عن ماهية وكيفية التعاطي مع مثل هذه الجوانب من قبل الإدارة بالجامعة ومن قبل عمداء الكليات والمرافق الأكاديمية التي يتعين وكأمر طبيعي وروتيني ومنطقي أن يسألوا هذه الكفاءة الأكاديمية العلمية عن سبب إقدامها على هذه الخطوة، فموقفهم يتعارض مع أبسط القواعد في علوم الإدارة الحديثة، فهذه المبادرات الإنسانية الرائعة من المؤكد أنها ستترك أثرا عميقا وسعيدا على الموظف حتى لو أصر على استقالته، فستبقى علاقته الاجتماعية والإنسانية قائمة وممتدة، وحتى إذا ما انتفت الظروف التي أجبرته، إن وجدت، على اتخاذ ذلك القرار فإنه من الممكن أن يعود لذات الجهة وبدون أن يكون هناك أي إحساس بالمرارة مكتنز في اللسان والحلق.
إن العمل ووفق مفهومه الحديث لم يعد علاقة من أجل الحصول على الراتب والمزايا المادية فحسب، بل أمسى حاضنة وحانية وأما رؤوما على العاملين لديها تشاطرهم أفراحهم وأتراحهم، وعبر لمساتها الإنسانية تلك تنبثق الولاءات قوية وصلبة في نفوسهم، وبالتالي فعندما يستقيلون فإنها تبادر بالذهاب إليهم والجلوس معهم وإليهم وتستفسر عن الأمر كله وعلاج ما يمكن علاجه وحل ما يمكن حله من معضلات أو إشكالات دفعتهم لتلك الخطوة.
هذه من البديهيات التي يتعين أن نتحلى بها في إطار روح العمل أو في إطار روح الفريق الواحد في أي مؤسسة كانت حكومية أم خاصة وسواء لموظف عادي أو دكتور أو مهندس أو أي وظيفة كانت وتحت أي مسمى كان إذ يكفي أن الذي يشغلها هو (إنسان).
في السنوات الفائتة (كان) المسؤول يرفض التوقيع على الاستقالة حتى يستمع شخصيا للموظف المستقيل ويحاوره كأخ وكصديق وليس كعلاقة رئيس ومرؤوس، ويحاول قدر جهده إثناءه عن قراره إيمانا منه بأن موظفه هو جزء من المؤسسة وهو يستحق منها كل التقدير وكل الاحترام حتى بعد أن قدم استقالته.
إن تزايد الاستقالات على هذا النحو المؤسف مسألة تحتاج إلى إعادة نظر من إدارة الجامعة فهذه الكفاءات التي نفقدها لا تقدر بثمن في الواقع ومن الصعوبة بمكان تعويضها فكل دول العالم تحرص كل الحرص على علمائها، أمريكا مثالا، وبالتالي عليها العمل على تهيئة كل الظروف لهم ليتاح لهم الإبداع بغير حدود، إضافة لضرورة إجراء دراسات مستفيضة حول هذه الظاهرة السلبية التي تضر دون ريب بسمعة هذا المرفق الأكاديمي العُماني الكبير.
الجانب الآخر الأكثر أهمية والمسبب للاستقالات هو الترقيات الأكاديمية وربطها مع بقية الترقيات الإدارية، كونها تمس العمل الأكاديمي الذي يجب أن نهيئ له كل المقومات التي تسهم في تعزيزه في وجه المنافسة الشرسة في اجتذاب الكفاءات العلمية.
نأمل بأن تكون لدينا فلسفة واضحة قائمة على مبدأ عدم التفريط بأي موظف لدواع وأسباب غير إدارية، وأن نعمل وبأقصى درجات الجهد لتوفير الجو الملائم لهم للإبداع والابتكار، ومن ثم الاستفسار عن أسباب الاستقالات إذا ما قدمت بعد ذلك، فذلك كله كفيل بإعادة الروح للنفوس المنهكة من متاعب العمل وعثراته.