
كينيث روجوف
لا تخلو الأخبار الأخيرة عن تبرع فنزويلا بنصف مليون دولار لحفل تنصيب الرئيس دونالد ترامب، عن طريق شركة النفط المملوكة للدولة بتروليوس دي فنزويلا، من مفارقة من نوع خاص. فمن المؤكد أن فنزويلا كثيرة التخلف عن سداد ديونها، وقد فعلت هذا أكثر من أي دولة أخرى تقريبا على مدار القرنين الفائتين.
في الآونة الأخيرة، كانت الحكومة الاشتراكية في فنزويلا في حاجة ماسة إلى تجنب أي تخلف آخر عن سداد ديونها (كانت تلك المرة لتصبح الحادية عشرة منذ استقلال البلاد) حتى أنها رهنت أثمن أصولها الصناعية، بما في ذلك مصفاة تكرير سيتجو في الولايات المتحدة، للروس والصينيين.
ليس من الواضح تماما لماذا يحاول الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو جاهدا تجنب التخلف عن سداد ديون بلاده الخارجية إلى الحد الذي يجعله يجوع شعبه، تماما كما فعل الدكتاتور الروماني نيكولاي شاوشيسكو في ثمانينيات القرن العشرين. في ظل هذا النقص الشديد في الغذاء والأدوية الأساسية، لا يوجد شك في أننا سوف نشهد بعض قصص الرعب المخيفة المعتادة إذا أطيح بالحاكم المستبد أخيرا. من قبيل التبسيط الشديد أن نصور مأساة فنزويلا على أنها قصة مفبركة حول ما يحدث عندما يسيطر الشعبويون اليساريون على دولة ما. فقد كانت الحكومات اليمينية في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين فاسدة أيضا؛ وعلى الرغم من ارتفاع الدخل الوطني، كان توزيع الدخل هناك بين أكثر أشكال عدم المساواة تطرفا في العالم.
لقد مر وقت حيث كانت مساهمة كتلك التي قدمتها فنزويلا لترامب لتعد مجرد مبلغ زهيد في ميزانية مساعدات أكبر كثيرا. ففي عهد الرئيس الأسبق هوجو شافيز الذي كان يتمتع بشخصية كاريزمية، كانت فنزويلا توزع أموالها النفطية يمينا وشمالا، غالبا لدعم حكومات شعبوية أخرى مناهضة لأمريكا في المنطقة. حتى أن شافيز كان يمول وقود التدفئة لصالح بعض الأسر المنخفضة الدخل في الولايات المتحدة،
وقد عاد ذلك عندما ساهمت أسعار النفط المرتفعة في الحفاظ على عائدات فنزويلا حتى في حين تسبب سوء إدارة الاقتصاد في إرسال إنتاج النفط إلى دوامة هابطة. غني عن القول إن فنزويلا لم تكن قط قريبة حتى من ثراء الولايات المتحدة، وعلى هذا فإن ميزانية المساعدات الفنزويلية كانت أقرب إلى إعطاء الفقراء من خلال الأخذ من شبه الفقراء.
والآن، مع انخفاض أسعار النفط بشكل كبير منذ وفاة شافيز في العام 2013، بات خلفه الذي يتمتع بكل كاريزما شخص عمل كل حياته مسؤولا سياسيا حزبيا مضطرا إلى تدبير أموره في غياب نفس الإيرادات السهلة.
في المقابل، كان انتخاب مادورو في العام 2013 موضع تشكيك من قِبَل كثيرين؛ فلم يُسمَح للمعارضة على سبيل المثال بأي وقت تقريبا في قنوات التلفزيون، حتى وإن أصر الأكاديميون السذج في الولايات المتحدة على أن مادورو فاز بنزاهة. من المفهوم أن يرى الباحثون من ذوي الميول اليسارية أن بعض سياسات إعادة التوزيع والتعليم التي تتبناها حكومات اشتراكية جذابة،
اليوم، تحول الاقتصاد الفنزويلي إلى كارثة تامة النضج، مع تسبب انهيار النمو وشبه التضخم المفرط في معاناة إنسانية واسعة النطاق. وفي مثل هذه الظروف، ربما يتوقع المرء انقلابا عسكريا تقليديا على طريقة أمريكا اللاتينية. وعدم حدوث انقلاب في فنزويلا ليس بأي حال انعكاسا لمؤسسات ديمقراطية قوية. بل إن الحكومة تطلق يد المؤسسة العسكرية في إدارة تجارة المخدرات، مما يجعل العديد من الجنرالات والمسؤولين فاحشي الثراء ــ كما يجعلهم قادرين على شراء ولاء القوات الرئيسية.
ويعيدنا هذا إلى المشهد الغريب لدولة يائسة اقتصاديا تساعد في تمويل احتفالات تنصيب ترامب. فمثلهم كمثل جو كينيدي الثاني، يستطيع معاونو ترامب أن يقولوا: «إذا كانت فنزويلا راغبة في إنفاق أموالها على جعل حياة جارتها الشمالية الأكثر ثراء أفضل، فمن نحن لكي نرفض؟».
حسنا، في الحالتين، كان من الواجب على الولايات المتحدة أن ترفض: فبرغم أن المساعدة كانت شفافة، فإن رمزية تقبل دولة غنية لأموال تقدمها لها جارة فقيرة يسكنها الملايين من الناس المعذبين بفِعل الفقر ليست جذابة على الإطلاق. ومن الغريب بشكل خاص أن يقدم مسؤولون أمريكيون دعاية إيجابية لحكومة تكاد تشبه صورة كاريكاتورية للحكم الكارثي،
كان باراك أوباما، سلف ترامب، يتخذ موقفا مبدئيا في تعامل الولايات المتحدة مع فنزويلا، ففرض العقوبات لكبح السلوكيات المارقة، وهي السياسة التي حظيت بدعم واسع النطاق من الحزبين. ويتعين على إدارة ترامب أن تسير على خطى هذه السياسة، وخاصة مع تسبب أسعار النفط المنخفضة في إضعاف يد الحكومة الفنزويلية. وبدلا من تقريع أمريكا اللاتينية، يتعين على الولايات المتحدة أن تعمل على إثبات أنها من الممكن أن تصبح صديقا ثابتا يحترم المبادئ ولا يستسلم لإغراءات الرشاوى الفاسدة بأي شكل من أشكالها.
كبير خبراء الاقتصاد لدى صندوق النقد الدولي