التحولات العالمية وتحديات استقرار دول الخليج العربي

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠٤/مايو/٢٠١٧ ١٦:٢٦ م
التحولات العالمية وتحديات استقرار دول الخليج العربي

تمرّ منطقتنا العربية اليوم بسلسلة من التحولات الجيوسياسية والاقتصادية الكبرى. هذه التحولات سترسم ملامح البيئة الاستراتيجية التي ستعمل في ظلها الدول والشركات والأفراد خلال المرحلة المقبلة، وبما أن الواقع المتشابك وما يدور تحت مظلته من حراك شامل سيفرض علينا مستقبلاً قد لا نريده، علينا العمل من أجل التأثير الإيجابي على مسار هذه الأحداث وعدم ترك بوابة النتائج مفتوحة على كافة الاحتمالات.

نحن نؤمن بأن الاستقرار الاقتصادي هو أصل الاستقرار السياسي والاجتماعي، وأن مناعة اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة، مناعة لأمننا وحصانة لأوطاننا وضمانة لبقائنا كمؤثرين وفاعلين في أمن ومستقبل المنطقة.

إن التحدي الأمني الأكبر اليوم، يتمثل بالتكيف الإيجابي مع هبوط أسعار النفط الذي أثر بشكل كبير على قدرة دولنا في جدولة موازناتها، وفي أداء دورها كمحفز للاستثمار. كما يتمثل بواقعية قراءتنا للوضع السياسي والاقتصادي الدولي لتسهيل عملية وضع خطط وقاية ومواجهة فعالة.
لقد كشفت نتائج التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وكذلك نتائج الانتخابات الأمريكية، النقاب عن تحولات جوهرية وخطيرة في طبيعة النظام الدولي، وطرحت أسئلة عديدة حول القيم الأساسية التي نشأ عليها هذا النظام. وليس هناك حاجة لانتظار نتائج الانتخابات في هولندا وفرنسا وألمانيا لندرك حجم التحولات في النظام الدولي. فالنزعات الشعبوية والحمائية تتنامى، والقناعة بالعولمة تتراجع مما يهدد مستقبل التعاون الدولي.
إن هذه المتغيرات سيكون لها تداعيات خطيرة على طبيعة الدور الذي تلعبه القوى الدولية القادمة في المنطقة. وأقول القادمة لأن التحالفات تتغير، وتتغير معها الأجندات والمصالح، مما سيجعل من مصير الأمن والاستقرار في المنطقة، مجهول الملامح.
إلى جانب التحولات السياسية، تقع منطقتنا العربية في قلب تحولات جغرافية واقتصادية هائلة تتمثل في تغير مراكز الثقل على خريطة الإمدادات النفطية؛ فظهور النفط الصخري في الولايات المتحدة قد جعل منها أكبر منتج بطاقة تزيد عن 13.6 مليون برميل يومياً. كما ستحافظ روسيا على مكانتها كإحدى أكبر الدول المصدّرة للطاقة في العالم مما يشير إلى زيادة الضغط على أسعار النفط في الأسواق العالمية لسنوات طويلة قادمة في ظل التوقعات المستقبلية بشأن النفط الصخري في الولايات المتحدة، والتقدم المستمر في مجال الطاقة المتجددة، إلى جانب التغير التكنولوجي السريع في أنظمة النقل.
وتتزامن التغيرات في خارطة إمداد النفط مع تغيرات في خارطة مراكز الثقل الاقتصادي العالمي وتتمثل في النفوذ الاقتصادي المتصاعد للأسواق الناشئة الرئيسية، لاسيما في بلدان آسيا، والتي رفعت حصتها في الناتج الإجمالي العالمي ليتخطى نصيب البلدان المتقدمة بحسب صندوق النقد الدولي، حيث بلغت 55.4 % في 2016، بعد أن كانت 31 % في عام 1980.
لقد أدى النمو الاقتصادي السريع في آسيا على مدى العقود الماضية إلى أن تكون الشريك التجاري الرئيسي لمنتجي النفط في العالم العربي، وجعلها ميداناً للمنافسة الشديدة للحصول على حصة أكبر صادراتها الهيدروكربونية، وتزايد الاعتماد على الواردات من الصين والهند، سيجعل من آسيا المنطقة المهيمنة في مجال استيراد الطاقة.
علينا إدراك حقيقة أن نقطة الضعف المحتملة التي قد تتسرب منها رياح العاصفة إلى منطقة الخليج العربي هي الاقتصاد. لقد خسر منتجو النفط في دول مجلس التعاون الخليجي 173 مليار دولار من احتياطيات النقد الأجنبي في الفترة الممتدة بين عامي 2015-2016، وشهدت أرصدة حساباتها الخارجية الجارية تحولاً من فائض بلغ متوسط 223.9 مليار دولار في عام 2014 إلى عجز بلغ 51.2 مليار دولار في عام 2016، وتراجعت الأرصدة المالية العامة لدول مجلس التعاون الخليجي الست إلى عجز تراكمي بلغ 9.8 % من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2016 مقارنةً بفائض قدره 3 % من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2014.
وأدى هذا العجز الكبير إلى ارتفاع سريع في مستويات الدين، إذ بلغ إجمالي الدين العام التراكمي لمنتجي النفط في دول مجلس التعاون الخليجي 21.3 % من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية 2016، مقابل 9 % من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية عام 2014.
بالتوازي مع هذا الضعف في الميزانية العمومية السيادية، شهد النمو الاقتصادي تباطؤاً ملحوظاً ليصل إلى 1.7 % بشكل سنوي في عام 2016، أي ما يعادل نصف مستواه في عام 2014 حيث تأثر الإنفاق العام وتباطأت وتيرة الإقراض المصرفي بشكل حاد.
هذا المشهد يضعنا أمام نظام عالمي وإقليمي غير مستقر وسريع التبدل. وهنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن لنا أن نخط مسارنا الإقليمي الخاص الذي تنسجم فيه المصالح الوطنية مع الإقليمية ويحافظ على نسيج العلاقات الدولية؟ والسؤال الأكثر أهمية: كيف لدول مجلس التعاون الخليجي أن تتكيف إيجاباً مع هبوط أسعار النفط وأزمة السيولة المحتملة؟ وأن تحافظ على أمنها الاقتصادي الذي يشكل أساس أمنها السياسي والاجتماعي، بل أساس بقائها وتفوقها.
إن حالة الهدوء التي نحياها اليوم في منطقة الخليج، أشبه بالهدوء في عين العاصفة. في وسط العاصفة كل شيء هادئ، لكن محيطها تتلاعب به الرياح وتبعث بمكوناته وتذروها في السماء، ولا نعلم متى يتغير اتجاه العاصفة لننتقل من عينها الهادئة إلى قلب جنونها وعبثيتها.
لا شك في أن حكومات المنطقة باتت تدرك بأن الاستجابة التقليدية المتمثلة في تبني سياسات مالية معاكسة واللجوء إلى الاحتياطات، لم تعد مواقف مجدية أو مستدامة. لقد سارعت بعض الدول إلى تنفيذ إصلاحات فيما يخص دعم قطاع الطاقة، وهناك مخططات لإطلاق إجراءات جديدة لتنمية العائدات تضم أنواعاً مختلفة من الضريبة، وتنويع مصادر الدخل الوطني.
هناك حاجة ضرورية لأن نقوم بتوجيه الاقتصاد بشكل مرحلي نحو الأنشطة غير النفطية، وذلك بالتركيز أكثر على الاستثمارات المحلية، خاصةً في مجال الإنتاج الذي يعزز من هيكل الصادرات ويوفر فرص العمل ويحافظ على قوة العملات المحلية، والتركيز على البحث العلمي ودعم الاختراعات والإبداعات والمواهب الوطنية.
يقودنا هذا التحليل للقضية المركزية، وهي قضية أمن واستقرار منطقة الخليج العربي. إن التغيرات المحتملة في مراكز القوى السياسية والاقتصادية العالمية، يجعل من تعزيز قوتنا الذاتية عاملاً أساسياً في بقائنا وفي قدرتنا على التأثير في مسار الأحداث السياسية التي تشهدها المنطقة، فالتحالفات الإقليمية والدولية الحالية ليست ثابتة، والثابت الوحيد الذي يمكن أن نراهن عليه هو نحن أولاً.
من الأهمية أن نقيّم مدى تأثير هبوط أسعار النفط على المساعدات المقدمة لدول المنطقة وعلى التدفقات المالية والاستثمارية والمخاطر المرتفعة على الأمن والاستقرار الاقتصادي الإقليمي. ويتعين علينا النظر مجدداً، في الترتيبات الإقليمية الحالية الخاصة بتقديم المساعدات وتعزيز التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وإطلاق آليات وأدوات مبتكرة لحماية الاستقرار الإقليمي العربي، تتمثل بالانتقال من المساعدة إلى التمكين.
فإذا كانت المساعدات ستشكل عامل ضغط على ميزانيات دول مجلس التعاون الخليجي، فإن الاستثمارات في البنى التحتية وفي مجال الإنتاج الغذائي بشكل خاص هي الشكل الأمثل لمساعدة دول الإقليم لأنها تؤدي وظيفتها التنموية المرجوة وتنعكس إيجاباً على الاستقرار السياسي والاجتماعي، وفي الوقت ذاته ستوفر مداخيل إضافية للدول المساهمة.
المطلوب أن نجعل من هذه التحولات والتحديات فرصة للعمل بشكل جديد. إن التجربة الاقتصادية العالمية التي يشهدها العالم قدمت لنا الحل، وهو أن الاستدامة تكون فقط للنموذج الاقتصادي الذي يعتمد الإصلاح الهيكلي المستمر والشفافية والمسؤولية في استخدام الموارد وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات الاقتصادية الحقيقية. وأن نجعل من التحديات السياسية فرصة لفهم أهمية علاقاتنا ومصالحنا المشتركة. إن استقرارنا وقوتنا الاقتصادية هما الأمل الوحيد الذي بقي لتحقيق الاستقرار في العالم العربي.