اليمن.. الكل في مأزق!

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠٤/مايو/٢٠١٧ ٠٤:٣٠ ص
اليمن.. الكل في مأزق!

علي ناجي الرعوي

هل يمتلك اليمنيون خيارات مستقلة تمكنهم من تجاوز أزمتهم الراهنة والسير في طريق المصالحة والبدء في إعادة بناء وطنهم ومجتمعهم بأشكال تتوافق مع مصالحهم وأهدافهم الأساسية والجوهرية؟

أم أن ذلك لم يعد ممكنا بعد أن خرج الصراع في اليمن من دائرته الوطنية وتطور ما كان كنزاع سياسي داخلي إلى قتال وصراع إقليمي من أجل النفوذ في المنطقة الأمر الذي تصبح معه مآلات ذلك الصراع مرتهنة لتوافقات القوى الإقليمية أكثر منها الأطراف المحلية التي غدت موضع تندر وسخرية في الشارع اليمني الذي يرى أن بعض تلك الأطراف قد تحولت إلى أدوات وظيفية تستخدم لإدامة الحرب وتأجيج الروح العدائية بين اليمنيين؟ وبين هذا وذاك فأي ثمن سيكون على اليمن دفعه ربطا بهذه الصورة الضبابية والغامضة التي تلفه..؟ هل يكون بإعادة تقسيم البلد إلى كانتونات فيدرالية أو كونفيدرالية؟ أم بتفتيته تفتيتا (شطرنجيا) متنافرا يجعله أمثولة في الشقاء والتعاسة والتشرد والموت المبرمج؟

لقد تحاور فرقاء الحرب في اليمن واجتمعوا على طاولة الحوار في ثلاث دورات متتالية توزعت بين سويسرا والكويت لكنهم لم ينجحوا في إيقاف الحرب وتجنيب بلادهم المزيد من المآسي الناجمة عنها، والسبب أنهم ذهبوا إلى تلك الحوارات وكل منهم محملا بكراسة من الشروط والشروط المضادة ناهيك عن الخطاب التجييشي الذي يتخندق خلفه وبالتالي فلا أحد كان يعول على نجاح تلك الحوارات لأنها أصلا كانت تفتقد منذ البداية لعوامل النجاح إذ لم تسبقها أية جهود لبناء الثقة أو أية محاولة للتوصيف الجيد لأسباب الحرب، لكي يتم البحث في الحلول والمعالجات الناجعة لها مما جعل من تلك الحوارات مجرد سلسلة من اللقاءات السطحية العابرة التي تفتقر لروح المسؤولية والالتزام الجاد والمستدام، وكان من الطبيعي أن تنتهي كما بدأت وأن لا تفضي غلى رؤية جديدة تقرب من الحل وتقود إلى بيئة إيجابية توقف إراقة الدم اليمني وتعيد الاستقرار إلى ربوعه.
الحقيقة أن كل الحوارات التي رعتها الأمم المتحدة منذ انطلاق (عاصفة الحزم) في 26 مارس 2015 كانت تخفي ألغازا أكثر ما تفتح على إجابات، مما ولد لدى البعض إحساسا من أن ذلك قد جرى بترتيب مسبق مع دول التحالف العربي التي ما زالت تتمسك بالخيار العسكري وتعتبره الوسيلة المثلى للتضييق على تحالف (الحوثي - صالح) وإرغام هذا التحالف على الخضوع والقبول بتسليم السلاح ومغادرة مؤسسات الدولة والاعتراف بسلطة الرئيس هادي وهي موجهات سبق وأن رفضها ذلك التحالف في جلسات الحوار، وبصرف النظر إن كان التحالف العربي وراء التباعد الذي برز بين أطراف الحوار اليمنية أم أن ذلك التباعد ناتج عن تعارض أجندات تلك الأطراف، فقد جرى اعتبار ذلك الحوار اليمني البيني من قبل الممثل الأممي بوصفه إنجازا شخصيا له، فيما سعت الأمم المتحدة إلى استخدام ذلك الحوار كرشوة لإسكات الضمير الإنساني ممثلا بالعديد من المنظمات الدولية التي تطالب بإيقاف الحرب وفي المقابل عمل التحالف العربي على استثمار جلوس فرقاء الحرب إلى جوار بعض لشرعنة وتبرير استمرار عاصفته العسكرية في اليمن.
وعليه فإذا كان فرقاء الصراع في الداخل اليمني يشعرون اليوم بالمأزق الذي أفرزه طول أمد الحرب والذي ما كان له أن يستمر كل هذا الوقت لولا خلافاتهم وانقساماتهم واستقواء بعضهم بالخارج فلا بد وأن هذا المأزق يتضاعف أكثر كلما وجدوا أنفسهم يستدعون ما قاله الشاعر الفرنسي بول فاليري: أسوأ الحروب هي التي تدور بين أناس يقتلون بعضهم البعض لحساب آخرين لا يقتلون بعضهم البعض.. وعلى النحو نفسه فإن كل المتورطين في هذه الحرب يشعرون بذات المأزق والذي نجده ماثلا في الخلافات الناشبة بين بعض دول التحالف العربي الذي وإن كان قد خطط لتدخله العسكري في اليمن لكنه من فاته ربما تحديد نهاية هذا التدخل إذ إن لحظة كهذه لم تكن جزاء من استراتيجيته ولا ضمن خطته التي أعد لها سلفا حينما قرر شن (عاصفة الحزم)، ولذلك فهو الذي لم يكن يتوقع مطلقا أن يغدو هذا التدخل بمثابة كرة ثلج تتدحرج دون أن يستطيع التحكم بها وهنا لم يخطئ أحد الكتاب العرب حينما قال ذات يوم: مأزق التحالف العربي في اليمن يتجلى بورطة هذا التحالف في حرب ليس بوسعه أن يتراجع عنها ولو بخطوة واحدة إلى الخلف لأن ذلك سيعني خسارته هذه الحرب والتي أصبحت بالنسبة له حرب وجود لكونها قد ارتبطت بصراعه مع إيران.
هكذا ببساطة لا يمكن للتحالف العربي أن يخسر الحرب التي بدأها في اليمن قبل عامين بأي حال لأن هذه الحرب لا يرى فيها أنها حرب اليمنيين وحدهم بل هي لم تكن كذلك منذ البداية من وجهة نظر هذا التحالف على الأقل وإنما كانت وما زالت حربه لإيقاف التمدد الإيراني انطلاقا من الأراضي اليمنية وما ندركه جيدا أن نفي صنعاء المتكرر لأي نفوذ إيراني في اليمن لم يعد ذا أهمية في ظل إصرار الدول الوازنة في هذا التحالف وفي الصدارة منها الرياض على عدم الالتفات لهذا الطرح ولذلك فهي من ترى في التدخل العسكري باليمن دفاعا سعوديا مشروعا على أمنها القومي والاستراتيجي.
ما بين القوة والقوة هناك شعب وبلد يتدمر ويتآكل من داخله وهناك ممكنات لدى كل طرف يجري استخدامها دون اعتبار لما يتساقط على الأرض من دموع ودماء والمعضلة الكبرى هنا أن الساحة التي يجري الصراع فيها وعليها بين الأخوة الألداء والأشقاء في الجوار وجدت نفسها في حالة غريبة معلقة في المنتصف بين مأزق الداخل ومأزق الخارج ومأزق ثالث تترسخ فكرته في ذهن من يقودون تحركات الأمم المتحدة في اليمن، سيما أن هذه المنظمة هي من تمارس عليها الكثير من الضغوط مما جعلها تظهر غالبا عاجزة عن العمل بشكل متوازن فيما يتعلق بالشأن اليمني وغيرها من الملفات الملتهبة في المنطقة، أما واشنطن مع الأسف فإنها من تحرص على إبقاء الحبال مشدودة في اليمن وأن يستمر المشهد العام في الجزيرة العربية بين ضفتيها الشمالية والجنوبية مرتبكا ومضطربا وبالقرب من حافة الهاوية طالما وأن وضعا كهذا يصب في مصلحتها ويعود عليها بالفائدة.

كاتب يمني