
فريد أحمد حسن
من العبارات اللافتة التي وردت في الأخبار والتقارير والتصريحات التي سبقت وتلت الاجتماع الذي حضره وزراء الداخلية والدفاع والخارجية بدول مجلس التعاون في مقر الأمانة العامة بالرياض الأسبوع الفائت تلك التي تناولت التحديات الأمنية والعلاقة مع إيران، ولعل أبرز التصريحات التي جرى تداولها ذلك المنسوب إلى مصدر خليجي ونشرته صحيفة «عكاظ» قبل عقد الاجتماع بيومين وملخصه أن «التكامل بين دول المجلس بلغ أعلى مستوياته، وبما لا يسمح بأي تهديد من قبل أي دولة، لأن دول المجلس تدرك طبيعة التحديات التي تواجهها، وأصبحت قادرة على التعامل معها، وأن أهمية الاجتماع تتمثل في تحقيق مزيد من التكامل والوقوف في وجه أي تهديد لدول المجلس»، وكذلك تصريح الأمين العام لمجلس التعاون د. عبد اللطيف بن راشد الزياني بعد الاجتماع وملخصه أن «الوزراء أكدوا حرص دول المجلس على بناء العلاقات ومد جسور التعاون مع الدول الإقليمية بما يسهم في ترسيخ الأمن والسلم وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي»، وهذان التصريحان وإن بديا متناقضين في الشكل إلا أنهما متكاملان مضمونا ويجيبان عن بعض الأسئلة التي تشاغب المتابعين لشؤون المنطقة وأهلها.
أمين عام مجلس التعاون أكد «الإصرار الخليجي على مكافحة الإرهاب وتجفيف مصادر تمويله ودعم جهود التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي وبلورة رؤى واضحة لتعزيز وحدة وكينونة الإطار المؤسسي لدول المجلس»، واهتم بالإشارة إلى أن «قادة التعاون يواصلون تعزيز مسيرة العمل الخليجي المشترك وأن هناك تصميما خليجيا للمضي قدما نحو تحقيق مزيد من الترابط والتكامل ومنع التدخلات الخارجية في شؤون التعاون وإثارة النعرات الطائفية». كما أكد أن الوزراء عبروا عن «دعمهم لكل ما تقوم به دول المجلس من إجراءات لمكافحة الإرهاب والجماعات الإرهابية لحفظ أمنها واستقرارها، وملاحقة تنظيماته وعناصره، ومحاربة فكره الضال المخالف لصحيح الإسلام ومبادئه السمحة التي تدعو إلى المحبة والتآلف والتعاون وتنهى عن البغي والعدوان وإراقة الدماء الزكية».
وبحسب الزياني فإن الاجتماع المشترك الذي عقد برئاسة ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية بالمملكة العربية السعودية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز، بحث القضايا الأساسية المتعلقة بالشؤون السياسية والدفاعية والأمنية «سعيا لبلورة رؤى واستراتيجيات ومواقف واضحة تسهم في تعزيز وحدة وكينونة الإطار المؤسسي لدول مجلس التعاون».. «في ظل ما تواجهه دول المجلس من تحديات وتهديدات جوهرية في إقليم مضطرب أمنيا، وتسارع الأحداث سياسيا واقتصاديا وأمنيا وعسكريا في دول الجوار بشكل خاص والمنطقة بشكل عام» وهي تهديدات وتحديات «ذات طابع عسكري وأمني وسياسي واقتصادي واجتماعي».
من الكلام المهم الذي صرح به أمين عام المجلس أيضا قوله «إن الوزراء أعربوا عن تصميم دول المجلس على المضي قدما نحو تحقيق مزيد من الترابط والتكامل الخليجي في مختلف المجالات، ومضاعفة الجهود وتكثيفها لتعزيز أركان هذا الكيان الخليجي الراسخ وتحقيق آمال مواطنيه»، فهذا الكلام وإن طغى عليه الطابع الرسمي إلا أن توقيته يدفع إلى التساؤل عن الذي يدور في الكواليس، فالتصميم على مزيد من الترابط والتكامل الخليجي، في هذا الوقت يعني أن تطورات معينة حدثت أو متوقع حدوثها تتطلب من دول المجلس العمل في هذا الاتجاه. هذه نقطة صار الجميع منشغلا بها ويتطلع إلى سبر أغوارها.
كذلك فإن القول إن «الوزراء أكدوا حرص دول المجلس على بناء العلاقات ومد جسور التعاون مع الدول الإقليمية، بما يسهم في ترسيخ الأمن والسلم وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي»، والقول «إن الوزراء شددوا على تصميم دول المجلس على منع التدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية أو المساس بوحدتها الوطنية وإثارة النعرات الطائفية، ودعم الجماعات الإرهابية والأنشطة الإجرامية والحملات الإعلامية المعادية، والتي تعد انتهاكا صارخا لمبادئ حسن الجوار والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة». هذا يدفع إلى التساؤل بقوة عن الذي يجري وهل هناك توجه خليجي للتعاون مع إيران أم للتصادم معها؟
التصريحات اهتمت بالتأكيد على الاعتزاز بما تحقق من تعاون وتكامل بين دول المجلس في مختلف مجالات العمل المشترك، السياسية والدفاعية والأمنية، وبالتأكيد على أن التعاون والتنسيق المشترك بلغا مراحل متقدمة وأن هذا يعبر عن إيمان دول المجلس أن أمنها واستقرارها جزء لا يتجزأ، وبالتأكيد على أهمية تكثيف الجهود وتسريعها من أجل مزيد من الإنجازات التكاملية «حفاظاً على سيادة واستقلال دول المجلس وأمنها واستقرارها.. ودفاعا عن مكتسباتها وإنجازاتها ومصالحها المشتركة».
عندما يكون الاجتماع مشتركا وعلى هذا المستوى وتصدر عنه تصريحات لافتة فإن هذا يعني أن أمرا ما يحدث يستدعي الاجتهاد لمعرفته، فالاجتماع يبدو غير عادي، والتصريحات قبل عقده وبعد عقده تحرض على النبش واكتشاف ما يدور في الكواليس، يعين على ذلك ما شهدته الساحة الخليجية قبل حين من تحرك تمثل في زيارة وزير الخارجية الكويتي إلى طهران موفدا من مجلس التعاون والتصريحات الموجبة التي تلت تلك الزيارة، ويعين على ذلك أيضا التطور اللافت في العلاقة بين سلطنة عمان وإيران، وكذلك ما تشهده الساحة اليمنية من تطورات وتحركات والتي يستدل عليها بالاتجاه نحو التفكير في إعادة ما دمرته الحرب هناك. المؤمل ألا يظل متن الكواليس غامضا لفترة طويلة.
كاتب بحريني