
غازي السعدي
يتبجح رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو»، أن بلاده تمتلك اقتصاداً متيناً، وأنها تعمل كي يصبح أكثر متانة، فأقوال «نتنياهو» هذه، جاءت لدى تسلمه التقرير السنوي من محافظ بنك إسرائيل لعام 2016، «معاريف 30-3-2017»، إلا أنه ربط ما بين متانة اقتصاده واستقراره، بفتح أسواق جديدة كبيرة في معظم دول العالم، بعد أن شهدت إسرائيل عزلة دولية، ناجمة عن عنصريتها وتشريعاتها وممارساتها التي تضعها في خانة «الابرتهايد»، وظهور حركة مقاطعة إسرائيل «B.D.S» الناشطة والتي تعمل في أوروبا لمنع استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية، وسحب الاستثمارات منها، وفرض العقوبات عليها، وتكثيف حملات المقاطعة الاقتصادية عليها، الأمر الذي دفع بإسرائيل إلى تشريع قانون يمنع بموجبه منح تأشيرات دخول لعناصر هذه الحركة إليها، ولكل من يدعو إلى مقاطعتها اقتصادياً، وعلى هذه الخلفية تسعى إسرائيل للبحث عن أسواق جديدة لتسويق منتجاتها خارج نطاق الدول الأوروبية،
«نتنياهو» وجه أنظاره - في محاولاته لدعم الاقتصاد الإسرائيلي- إلى اليابان والصين، فشكّل أكبر بعثة اقتصادية رافقته لزيارة هذين البلدين، مستغلاً مناسبة مرور (25) عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والصين لدفع هذه الزيارة، إذ رافقه خمسة وزراء، وأكثر من (100) من رجال الأعمال والاقتصاد، إلى الصين في شهر مارس 2017، لكن الصين تعتبر من أكبر المصدرين في العالم، لا المستوردين منه، فلجأ «نتنياهو» إلى التوقيع على اتفاقيات، تنقل بموجبها بعض الشركات الإسرائيلية صناعتها إلى الصين، سعياً وراء الأجور الرخيصة، والاتفاق مع الصين لتزويد إسرائيل بعشرات آلاف من عمال البناء للعمل في إسرائيل، طالباً من الرئيس الصيني استثناء إسرائيل من القيود على اتفاق رؤوس الأموال الصينية، ملتزماً بطلب الصين عدم تشغيل العمال الصينيين في المستوطنات في الأراضي الفلسطينية.
إن نجاح إسرائيل بتقديم نفسها كدولة صناعية، عزز نجاحها في فتح أسواق عالمية لمنتوجاتها، إلا أن هذه الأسواق آخذة بالتراجع، لأسباب سياسية، ولنشاط لجان مقاطعة إسرائيل، وعلى الرغم من ظاهرة نجاح الاقتصاد الإسرائيلي، فإن نسبة النمو في تراجع، ونسبة الفقر تزيد عن 21% من سكان إسرائيل لعام 2016، كما أن غلاء المعيشة، وأسعار المساكن تجعل حياة الإسرائيليين صعبة، وهناك تباطؤ اقتصادي بسبب تراجع حجم وقيمة الصادرات الإسرائيلية إلى الخارج، خاصة الصادرات السلعية، وصادرات التكنولوجيا، التي تُعتبر إسرائيل رائدة فيها، وتشكل الصناعات العسكرية أحد أهم مصادر اقتصادها، إذ بلغت صادراتها من الأسلحة عام 2016، (6.5) بليون دولار أي بزيادة قدرها 14% عن السنوات التي سبقتها «هآرتس 9-4-2017». إسرائيل تطمح لاختراق أسواق الدول العربية، ودول الخليج خاصة، وتوقيع اتفاقيات تجارية معها، فقد كانت طهران في عهد الشاه، تسوق البضائع الإسرائيلية إلى الدول العربية من خلالها، عبر التحايل على عقدة العداء معها، بأن لا يحمل منتجها أي علامة تدل على أن مصدرها إسرائيل، بل إن يحمل منتجها اسماء شركات غربية، وفي بعض الأحيان، يختار الزبون المستورد «الليبل» الذي يريده على المنتجات الإسرائيلية، فالشركات الإسرائيلية أقامت، في وقت مبكر، شركات لها في أوروبا، وبأسماء أوروبية، لتتحايل على الأسواق العربية،
إن معظم رجال الأعمال الذين يتعاملون مع دول عربية، يحملون جنسيات مزدوجة، وعلى الغالب أمريكية، لمعرفتهم حساسية التعامل مع العرب، ومن أبرز الأسواق التي يخترقها الإسرائيليون: مصر، الأردن، والمغرب، وحسب المصادر الإسرائيلية، فإنها لا تتجاوز 1%، من مجمل الصادرات الإسرائيلية للخارج، فيما تبلغ صادراتها إلى الأراضي الفلسطينية «3.5» بليون دولار، بينما تحدد إسرائيل تصدير بضائع أردنية إلى الفلسطينيين، بمئة مليون دولار سنوياً فقط، وإسرائيل تصدر بضائعها إلى ثمانية دول إسلامية هي: تركيا، ماليزيا، أذربيجان، كازخستان، نيجيريا، أوزبكستان، إندونيسيا، وتركمانستان، ولا تزيد عن 7% من إجمال الصادرات الإسرائيلية للخارج، التي تبلغ (60) بليون دولار، موزعة على النحو التالي: 36% للقارة الأوروبية، 32% للأمريكيتين، 25% للقارة الآسيوية، 5% للقارة الأفريقية، 1% لأستراليا.
تبلغ الموازنة الإسرائيلية السنوية نحو (100) بليون دولار منها نحو 16% لوزارة الحرب، وهذه ميزانية كبيرة جداً، إذا ما قيست بموازنات الدول العربية، أو أخرى بنفس عدد السكان، ومع ذلك يبقى عجز في الموازنة بنسبة 2.9%، سيؤدي هذا العجز إلى زيادة حجم مديونية إسرائيل، فالتمدد الإسرائيلي-الاقتصادي في المنطقة العربية، أخذ منحى متقدما، يعتمد على تسويق إنتاجه، خاصة بعد المقاطعات التي أوردناها، مما يتطلب الحذر من هذا التغلغل، والذي له أهداف أخرى تحت غطاء تجاري واقتصادي، والمطلوب فلسطينياً، بصورة ملحة، إلغاء «بروتوكول باريس» الاقتصادي بين إسرائيل والفلسطينيين، والذي تم التوقيع عليه العام 1994، والذي يُقيّد الاقتصاد الفلسطيني، ويربطه بالاقتصاد الإسرائيلي وبالتسويق عبره ....حان الوقت لمراجعة هذا الاتفاق.
مدير دار الجليل للنشر والدراسات الفلسطينية