
ستيفن نادلر
في «يوثيفرو»، وهو أحد حوارات أفلاطون القديمة، يسافر سقراط إلى محكمة أثينا للدفاع عن نفسه ضد الاتهامات الخطيرة بأنه أفسد شباب المدينة ولا يؤمن بالآلهة. قبل وصوله إلى هناك، أجرى محاورة يمكن أن تُلقي ضوءاً ساطعاً على أهم نقط ضعف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
عندما اقترب سقراط من المحكمة، التقى بصديقه الشاب يوثيفرو، في طريقه إلى نفس المكان لمقاضاة والده لقتله رجلاً آخر. قال يوثيفرو لسقراط إنه يعتقد أنه يفعل الشيء الصحيح؛ لأنه بغض النظر عما إذا كان القاتل ينتمي إلى العائلة، أو ما إذا كان الضحية قريباً أو غريباً، يجب معاقبة مرتكب الجريمة. وأصر يوثيفرو على أن الآلهة ستوافق على تصرفه؛ لأنه يفعل ما تُملي عليه عقيدته.
لكن سقراط، لكونه سقراط، حوّل تفسير يوثيفرو إلى مناقشة أكبر حول طبيعة التقوى نفسها. سقراط مقتنع بأن يوثيفرو لن يحاكم والده دون أن يكون متأكداً تماماً من أنه الشيء الصحيح الذي يجب القيام به. ومع ذلك، بالنسبة لسقراط، لا يمكن أن يكون ليوثيفرو مثل هذا اليقين إلا إذا كان يعرف على وجه اليقين معنى التقوى.
في النهاية، فشلت جهود يوثيفرو لتحديد معنى التقوى حسب أسئلة سقراط الدقيقة، فهو لا يعرف حقاً معنى التقوى. ويُنهي يوثيفرو الحوار بسرعة، مدعياً فجأة أن لديه مسائل أكثر أهمية للاهتمام بها.
وبطبيعة الحال، فإن هدف أفلاطون في الحوار ليس تعريف التقوى: إذا كان سقراط يعلم بتعريف أفضل من ذلك الذي يقدمه يوثيفرو وغير المقبول، فلن يكشف عنه. بدلاً من ذلك، غاية أفلاطون هي أن يُظهر أن يوثيفرو يجهل جهله عن التقوى، وبالتالي لا يمكن ليوثيفرو أن يعرف حقاً أن محاكمة والده هي في الواقع الشيء الصحيح الذي ينبغي القيام به.
إن المعرفة التي تأتي من هذا النوع من الفحص الذاتي أمر بالغ الأهمية في اتخاذ جميع القرارات. ينبغي للمرء أن يعرف الطابع الأخلاقي لأي عمل يتأمل القيام به. ولمعرفة ذلك، يجب أن يكون المرء على دراية بما لا يعرف وبما يعرف. وبخلاف ذلك، لا يمكن إصدار حكم واثق بشأن عمل المرء أهو صحيح أم خاطئ.
وهكذا، فالـــدرس المركزي من يوثيفرو هو أن هناك نوعين من الجـــهل: الجهل بما إذا كان العــمل صحيحاً أو خاطئاً. والجهــل بما يعلمه المرء وما لا يعلــم حـول ما هو الصواب والخطأ.
هذا الشكل الأخير من الجهل- الجهل بجهل المرء- هو ميزة ترامب الأكثر إثارة للقلق. العديد من مقترحات سياسة ترامب المحددة مثيرة للقلق في حد ذاتها، لكنها أكثر إثارة للقلق على ضوء ما قاله (فيفا فوس وعبر تويتر) حول مجموعة من القضايا المحلية والدولية.
وقد كشف ترامب عن نقص عميق في فهم مسائل السياسة المعقدة: الأمن القومي، والشؤون الخارجية، والهجرة، والضرائب، وعدم المساواة الاقتصادية، والرعاية الصحية، والتعليم، والبيئة، والتجارة، والإجهاض، والحقوق الدينية، وحرية التعبير، وغير ذلك. وليس من المستغرب أن يكون نهج إدارته إزاء معظــم هـــذه القضـــايا حتى الآن خاطئاً .
فمثل يوثيفرو، لا يعتقد ترامب فقط أنه يعرف ما يعرف، وأن ما يعرفه يكفي لاتخاذ القرارات السليمة، فهو متأكد تماماً من ذلك. هذا الاكتفاء الذاتي يشير إلى أنه نادراً ما توقف، للنظر في ما لا يعرفه. ويبدو أنه غير قادر على الانخراط في هذا النوع من التفكير المستقبلي الذي من شأنه أن يكشف عن ثغرات في فهمه- الخطوة الأولى نحو توسيع معرفة المرء بمسألة ما.
إن الغطرسة المعرفية لترامب هي شيء نتحمّله ونسعى جاهدين لتصحيحه عند الأطفال. إنها ليست سمة يتوقعها المرء عند البالغـــين المتعلميــن، والناضجين- وبالتأكيد ليـــس عند الشـــخص الذي يحمل أعلى منصب في أقوى بلد في العالم.
وبينما تستمر رئاسة ترامب الفوضوية في الظهور، هناك شيء يمكننا أن نعرفه على وجه اليقين هو أن أي سياسة يتبعها، وأي خطوة يتخذها، ستكون على خلفية الجهل العميـــق، وحتى الجهــل المفــرط. للأســـف، لا يوجد شيء أكثر خطورة يهدد للولايات المتحدة، والبلدان الأخرى، أو الكون برمته.
أستاذ الفلسفة والدراسات اليهودية
في جامعة ويسكونسن ماديسون.