ترامب يتعثر وبوتين يتقدم

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٢٣/أبريل/٢٠١٧ ٠٤:٠٦ ص

نينا خروتشوفا

كان الهجوم الكيماوي الذي وقع قبل أسابيع على مدينة خان شيخون السورية التي يسيطر عليها متمردون سبباً في إرغام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على ضرب قوات الحكومة السورية لأول مرة. وبقصف قاعدة جوية في غرب سوريا، تورطت إدارة ترامب في فراغ السلطة المتنامي في الشرق الأوسط. ولكن ماذا قد يكون تحرك ترامب التالي، إن كان هناك أي تحرك تال؟

الواقع أن تدخل ترامب غير المتوقع، الذي يأتي بعد ست سنوات من الحرب الأهلية التي بلغ عدد ضحاياها 400 ألف قتيل بين المدنيين فضلاً عن نزوح الملايين، كان موضع إشادة من قِبَل أغلب الساسة في الولايات المتحدة، رغم تنفيذه دون الحصول على موافقة الكونجرس الضرورية. كما رحّبت جماعات المتمردين السوريين وحلفاء أمريكا الدوليون (بما في ذلك أولئك الذين شاركوا في اجتماع وزراء خارجية مجموعة الدول السبع الذي اختتم أعماله في إيطاليا) بهجوم الولايات المتحدة على القوات الحكومية السورية.
باستخدام 59 صاروخاً من طراز توماهوك، بعث ترامب برسالة إلى روسيا وإيران، مفادها أنه على النقيض من سلفه باراك أوباما عازم على فرض «الخطوط الحمراء». ومن غير المستغرب أن يدين الكرملين الهجوم الأمريكي، مدعياً أنه انتهك القانون الدولي وهو اقتراح مريب، بخاصة أن سوريا من الدول الموقعة على المعاهدة الدولية لحظر الأسلحة الكيميائية.
ولكن أياً كانت الرسالة المقصودة من قرار ترامب، فيبدو أن مصيرها كان الغرق تحت ثرثرة وهذيان إدارته لاحقاً على نحو يدل على عدم الاتساق الاستراتيجي. ففي حين اقترح سفير الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة، نيكي هالي، أن خلع الأسد أصبح الآن من الأولويات، يُصِر وزير الخارجية ريكس تيلرسون على أن إلحاق الهزيمة بتنظيم (داعش) يظل يتصدر الأجندة الأمريكية. والأمر الأسوأ أن القرار الذي اتخذه ترامب بالتحرك عسكرياً جاء كمــــا أفــادت التـقارير متأثــراً بابنته إيفانكا التي زعمت أن صـــور ضحــايا الهجمات الكيميائـيــة «سحقــت فؤادهـــا وصدمتها».
إن التصرفات الانفعالية المتهورة التي تحركها مشاعر شخصية ليست بديلاً للسياسة الخارجية المراعية للأمد البعيد. الواقع أن الافتقار إلى نهج واضح وشامل هو الذي سمح لروســـيا بغرس نفســــها في قلب الصــراع الســـوري في المقام الأول. فمن منظور بوتين، أوجد عزوف أوباما عن التدخل فرصة ذهبية لفتح بوابة الدخول إلى الشرق الأوسط.
الواقع أن هدف بوتين في المنطقة ليس إحداث تأثير إيجابي بعيد الأمد. بل إنه يريد إقحام روسيا بين قوى فاعلة مختلفة تفتقر إلى السياسات المتماسكة في التعامل مع بعضها بعضاً، وبالتالي تعزيز قوة روسيا وهيبتها. ومثله كمثل أي عميل جيّد للاستخبارات السوفييتية، يلعب بوتين على كل الأطراف، سعياً إلى تعزيز أجندته الخاصة. وبالفعل، بدأ نوع جديد من حلف وارسو يتشكل.
وكجزء من هذه اللعبة الاستراتيجية، عملت روسيا على زيادة النفوذ الذي تمارسه على أقرب حلفاء أمريكا، إسرائيل. ففي العام الفائت وحده، عقد بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خمسة اجتماعات وكانا حريصين على تعميق العلاقات الثنائية. وتحت وطأة العقوبات المفروضة على روسيا بعد ضمها لشبه جزيرة القرم، يتطلع بوتين إلى قطاع التكنولوجيا في إسرائيل لتوفير ما لم يعد الغرب يوفره. ومن جانبها، تأمل إسرائيل أن تساعد روسيا في كبح جماح إيران. وخلافاً لبعض تصريحات نتنياهو العامة، لا تعارض إسرائيل تدخل روسيا في سوريا، فهي ترى أن الأسد أقل شراً من دولة فاشلة تحكمها الفوضى، كحال ليبيا بعد الإطاحة بالعقيد القذافي في العام 2011.
كما يُحرِز بوتين تقدماً في العراق. ففي العام الفائت، أرسل الكرملين أكبر وفد منذ سنوات عديدة أكثر من مئة مسؤول إلى بغداد لتعزيز العلاقات التجارية والأمنية. وقد ركزت التبادلات التي نشأت عن ذلك على المساعدات العسكرية إلى حد كبير، وإن كان بوتين خطب أيضاً ود سفير العراق الجديد إلى روسيا، حيدر منصور هادي، بحديثه عن إمكانية التعاون في قطاع الطاقة.
ثم هناك أفغانستان، إذ سعت روسيا إلى إقامة علاقة قابلة للاستمرار مع طالبان، في تكرار لسلوك الولايات المتحدة في ثمانينيات القرن العشرين. فمن خلال التودد إلى طالبان، يساعد بوتين في زعزعة استقرار الحكومة الضعيفة بالفعل في كابول ويجعل نفسه طرفاً لا غنى عنه في أي استراتيجية تسعى بها الولايات المتحدة إلى الهروب من أطول حرب في تاريخها.
في مصر أيضاً، تحاول روسيا استعادة نفوذها في الحقبة السوفييتية. وقد صادفت بعض النجاح مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الذي يحترم نموذج حكم الرجل القوي الذي يمثله بوتين والذي يضع أيضاً نصب عينيه المصلحة القوية المتمثلة في إعادة بناء صناعة السياحة في مِصـــر وهو جهـــد تستطيع روســـيا أن تساهم فيه.
فقبل أن يفجّر الإرهابيون طائرة تحمل سياحاً روساً فوق سيناء في العام 2015، كان الروس يشكلون نحو 30%من زوار مِصر. وفي حين أعادت روسيا مؤخراً خدمة الرحلات الجوية التجارية إلى البلاد، فقد أثار التفجيران الانتحاريان اللذان استهدفا كنيستين قبطيتين في أحد الشعانين (أحد السعف) الشكوك في مصداقية وعد السيسي بتوفير الأمن.

الواقع أن المشاق التي تكابدها مِصر تتيح لبوتين المزيد من الفرص لتقديم يد المساعدة. وبالفعل حصلت روسيا على الإذن بتوسيع منطقتها الصناعية الخاصة في بورسعيد، كما وقّعت الحكومة المصرية على عقود بقيمة بليون دولار لشراء معدات عسكرية روسية، بما في ذلك أنظمة صاروخية. وعلاوة على ذلك، أعطت مِصر روسيا إمكانية الوصول إلى قواعد جوية لنشر قوات خاصة في ليبيا دعماً لخليفة حفتر، أمير الحرب الذي يدعمه بوتين.
لا تقوم سياسة بوتين الخارجية على استخدام القوة الروسية، بل على الاستفادة من نقاط ضعف الآخرين. وربما يبدو كسب ولاء أنظمة فاشلة من خلال التعهد بدعمها استراتيجية ناجحة، ولكن البيت الذي يبنيه بوتين مصنوع من ورق. ولا تمتلك روسيا الثروة أو القوة العسكرية اللازمة لدعم الأنظمة الفاشــلة إلى ما لا نهاية. ولا بد أن يدرك بوتين هذه الحقيقة. ومن المؤكد أن تيلرسون يدركها.
خلال زيارته إلى موسكو هذا الأسبوع، يبدو أن تيلرسون أوضح أن علاقات روسيا مع الولايات المتحدة ستزداد تدهوراً إذا استمر بوتين في جعل نفسه جزءاً من المشكلة في الشرق الأوسط. ولأن بوتين يحترم القوة، ويريد أن تتعامل معه الولايات المتحدة نِداً لند، فربما يقتنع بأن يصبح جزءاً من الحل.
مع انحدار العلاقات الثنائية إلى مثل هذا المستوى المتدني، يدعو اتفاق الجانبين خلال زيارة تيلرسون على إنشاء مجموعات عمل لتحســـين العلاقات بين البلدين إلى بعض التفاؤل. بيد أن إقناع بوتين بالانتقال إلى الجانب «الصحيح» في سوريا في الأمد البعيد يستلزم أن تقدم إدارة ترامب حلاً حقيقياً وهو ما لم تُثبِت امتلاكها له حتى الآن.

أستاذة في الشؤون الدولية ومساعدة العميد للشؤون الأكاديمية في «ذا نيو سكول» وزميلة بازرة في

معهد سياسات العالم.