المبدأ والصدق العُماني

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ١٩/أبريل/٢٠١٧ ٠٤:٠٣ ص
المبدأ والصدق العُماني

فريد أحمد حسن

في مقابلة تلفزيونية كانت قد أُجريت مع الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية يوسف بن علوي قال إن أحد ضيوف السلطنة سأل صاحب الجلالة السلطان المعظم سؤالاً مباشراً فقال «أنتم اتبعتم سياسة بطريقة نادرة.. كيف استطعتم أن توفقوا في علاقاتكم.. أنتم لديكم علاقات متميّزة مع الولايات المتحدة وفي نفس الوقت لديكم علاقات متميّزة مع إيران.. كيف؟» فرد عليه جلالة السلطان ببساطة وقال باختصار «بالوقوف على المبدأ والصدق». وهو الجواب الشافي والسر الذي يراه الكثيرون أمامهم ولكنهم لا يستطيعون قراءته وفهمه.

الوقوف على المبدأ وعدم الحياد عنه أياً كانت الأسباب وعدم تغيير القناعات مجاملة لهذا أو ذاك أو نتيجة حدث طارئ، والصدق في التعامل مع الآخر وقبل ذلك مع النفس، هما سر الوصفة التي اعتمدتها سلطنة عُمان في بناء وتطوير علاقاتها مع دول العالم كافة. لهذا فليس غريباً أبداً أن تتمكن السلطنة من المحافظة على علاقتها المتميّزة بالولايات المتحدة وأن تفتح باباً واسعاً في العلاقات مع إيران التي يتخذ منها بعض دول المنطقة وبينها دول في مجلس التعاون موقفاً سالباً وتأثرت علاقتها بها في السنوات الأخيرة على وجه الخصوص.

تفرُّد سلطنة عُمان في تمكنها من تطوير علاقاتها مع كل دول العالم وعـــدم تأثرهــا بالمستجدات والتطورات في أي بقعـــة مسألة تلفت كل العالم بمـــن فيهم المختصون في العلاقات الدولية، ففــي هـــذا الزمن تتوفـــر الكثير من الأحداث التي تتطلب من الدولة الوقوف مع هذه الدولة وضـــد تلك الدولـــة وعـــدم الوقوف على الحياد. في هذا السياق يتذكـــر الجميع مقولة الرئيس بوش الابن والتي ملخصها «مَن ليس معنا فهو ضدنا»، إذ اعتبر الحياد موقفاً سالباً.
توضيحاً للصورة لعل من المناسب هنا الاستشهاد بأسلوب كان يتبعه أحد الأصدقاء، فقد كان يحرص على عدم قطع علاقته بأي صديق أو قريب أو أحد من المعارف أياً كانت الأسباب، وكان في الحالات الصعبة التي يجد نفسه مضطراً لـ»الزعل» من أحدهم يقلل من مستوى العلاقة فيكتفي مثلاً بالاتصال به مرتين في الأسبوع بدلاً عن الاتصال اليومي ويقلل اللقاءات به حتى يزول العارض وتعود المياه إلى مجاريها. المثير أنه كان وما زال يطبّق هذا الأسلوب بدقة، والأكيد أنه السبب وراء تمكنه من الحفاظ على علاقته مع كل الأصدقاء والأقرباء والمعارف وتطويرها باستمرار. وهذا بالضبط الأسلوب الذي اتبعته وتتبعه السلطنة ولكن على مستوى دولة.
هو إذن المبدأ، يؤمن به صاحبه، ويلتزم به ولا يحيد عنه، وهو إذن الصدق، يؤمن به صاحبه حتى يصير جزءاً منه وصفة له فيثق فيه الآخرون.
الحاصل فيما يخص العلاقات المتوازنة والمتميّزة التي تربط السلطنة بأمريكا وإيران في آن هو أن هاتين الدولتين ودول العالم المختلفة تثق في سياسة السلطنة وتعرف مدى صدقها وإصرارها على عدم الانحياز وأنها لا تلعب على المتناقضات ولا يمكن أن تبيع هذا لذاك أو تغدر بهذا من أجل مصلحة مهما كانت كبيرة.
عندما يثق فيك الآخر ويعرف أنك لا يمكن أن تحيد عن مبادئك أو تسمح بخدش الصدق أياً كانت الأسباب ومهما كانت الظروف فإن الطبيعي هو ألا يهتم بما يراه من تطور في علاقتك مع الآخر الذي هو على غير ود معه. الولايات المتحدة ونتيجة لكل هذه الأسباب تعرف جيداً أن انفتاح سلطنة عُمان التي تربطها بها علاقات تاريخية متينة ومتميّزة على إيران وغير إيران لا يمكن أن يؤثر على العلاقة بها أو يضر بمصالحها، وإيران أيضاً تعرف جيداً أنه مهما تطورت العلاقة بين السلطنة والولايات المتحدة أو غيرها من دول العالم فإن السلطنة ستظل ملتزمة بكل ما تعهدت به وأنها لا تفرِّط في العلاقة أبداً.
معرفة دول العالم بعدم تخلي سلطنة عُمان عن مبادئها أياً كانت الأسباب والأحوال والمتغيّرات، ومعرفتها بأن السلطنة لا يمكن إلا أن تتعامل بصدق مع الجميع وأنها صادقة مع نفسها وتحترم كلمتها، وثقة كل هذه الدول في السلطنة وقائدها يجعلها لا تبالي بكل تطور في العلاقة يحدث بين عُمان وبين أي دولة من دول العالم.
سلطنة عُمان، بالتزامها بالمبادئ التي تؤمن بها وبتمسكها بالصدق واعتماده منهجاً جعلت العالم كله يحترمها ويثق في أنها لا يمكن أن تفرِّط في علاقاتها أبداً، لهذا فإن الولايات المتحدة لا تقلق من تطور علاقة عُمان بإيران ولا من قيامهما بإجراء مناورات عسكرية كالتي نُفذت أخيراً بين البلدين، ولا من الزيارات الرسمية المتبادلة بينهما، ولا بتوسع العلاقات التجارية وتفعيل الاتفاقيات بين البلدين في كل المجالات. والأمر نفسه فيما يتعلق بإيران التي وبسبب ثقتها في سياسة السلطنة ومعرفتها الأكيدة بأنها ملتزمة بالمبادئ التي تؤمن بها ولا تنحاز وتتخذ من الصدق منهجاً، لا تهتم بكل تطور تشهده العلاقة بين السلطنة والولايات المتحدة أو غيرها من دول العالم.
هناك أمر آخر تدركه الولايات المتحدة وإيران وتدركه كل دول العالم أيضاً هو أن سلطنة عُمان وتأكيداً للمنهج الذي تتبعه منذ تأسيس الدولة الحديثة بقيادة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم- حفظه الله- تحرص على الاستفادة من حياديتها وصدقها في ممارسة دورها كوسيط بين المختلفين وتسعى للتوفيق بينهم، وهو ما قامت به فيما يخص الملف النووي الإيراني الذي استثمرت من أجله العلاقات المتميّزة التي تربطها بالولايات المتحدة وإيران.

كاتب بحريني