
علي بن راشد المطاعني
ali.matani@hotmail.com
في نهاية كل شهر يرتفع الجدل حول تسعيرة المشتقات النفطية والآليات المتبعة حول ذلك، وتتزايد ردود الأفعال كمّاً وكيفاً سلباً وإيجاباً طبقاً لارتفاع التسعيرة الشهرية التي تتوافق مع ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية والتي نتمنى جميعا أن ترتفع أسعاره لأكثر من مائة دولار للبرميل الواحد، وليس فقط أن يلامس سقف الخمسين دولارا، إلا أن البعض يرى غير ذلك، ويعتقدون أن ارتفاع أسعار البنزين يماثل تماماً ارتفاع أسعار الأكل والشرب والأشياء الضرورية والحياتية الأخرى.
ففي البداية يجب أن نؤمن إيمانا مطلقا أن تحرير أسعار المشتقات النفطية سياسة عالمية مطبقة في كل دول العالم ولسنا استثناء منها، وآخر من لجأ إليها مرغماً دول الخليج الغنية بالنفط التي حررت أسعار الوقود كخيار لا مناص منه، ثانياً يجب أن نؤمن أن ما تحصل عليه الحكومة من مداخيل النفط ومشتقاته وغيره من موارد الدخل تعيد ضخه في شرايين التنمية في مختلف المجالات ولصالح المواطن، وثالثاً من الأهمية بمكان التكيف مع المتغيرات الاستهلاكية المتسارعة التي نشهدها في العصر الراهن من خلال تغيير سلوكياتنا وترشيدها قدر الإمكان، فالوقت والأوضاع الراهنة تفرض علينا إعادة صياغة سلوكنا اليومي والتكيف مع المستجدات التي قد تطال الكثير مما كنا نرفل فيه حبوراً.
إذا تم توفير 250 مليون ريال بعد تحرير المشتقات النفطية خلال الفترة الفائتة حسبما صرح وكيل النفط والغاز، فهو إنجاز يستحق أن نفخر به كثيرا، وينبغي علينا السعي لتعزيزه في الفترة المقبلة، باعتباره أحد المكاسب التي استطعنا جميعا تحقيقها (حكومة ومواطنين) إلا أن هذا المبلغ لا يشكل إلا جزءا بسيطا من الانخفاض الحاد في الإيرادات الناتج عن انخفاض سعر النفط والذي يبلغ أكثر من 6 بلايين ريال عماني، فالهدف الأساسي منها تخفيض العجز في الميزانية العامة للدولة، ولكنه جزء من الإجراءات التي تتخذها الحكومة لتقليل العجز والتي يجب أن نشجع عليها لا أن نقف ضدها.
ومن الثوابت التي يجب أن نتفق عليها أنه لا رجعة عن تحرير أسعار المشتقات النفطية كسياسة يجب أن تثبت وتطبق ولا جدال فيها، وأن نتفق أيضا على دعم بعض الفئات المحتاجة إلى الدعم كفئات الضمان الاجتماعي وذوي الدخل المحدود ممن لا تتجاوز دخولهم سقف الـ600 ريال مثلا، فهذه أيضا ثوابت يجب أن نتفق عليها وفق حقيقة أن هذه الشرائح تحتاج فعلا إلى دعم لشراء المشتقات النفطية وليس كل الفئات الأعلى.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة هو، ما هي الآليات التي سوف تتبع لدعم الفئات المستحقة وكيفية تلافي التجاوزات التي يمكن تحدث في هذا الشأن؟
فلابد أن نؤمن كذلك أنه ستكون هناك أخطاء واستغلال إلى غير ذلك مما نعرفه من التجاوزات التي من الممكن أن تمليها النفس الأمارة، لكن يجب في المقابل أن تصبح لدينا قناعة أن ذلك أفضل من عدم توفير الدعم لبعض الفئات، وكذلك أفضل من عدم تحرير أسعار البنزين، وأفضل من دعم فئات مقتدرة يمكنها أن تدفع ريالا كاملا لقاء لتر واحد من البنزين، فهذه الشرائح القادرة والمقتدرة وللأسف تتساوى اليوم مع ذوي الدخل المحدود كتفا بكتف في تلقي الدعم.
ولا شك أن تحديد الفئات المستحقة يعوزه الكثير من البيانات والإحصاءات والمعلومات الدقيقة أو لنقل يحتاج الأمر لقاعدة بيانات متكاملة، نستبين عبرها ونفرق بين هذه الفئة وتلك، وكذلك عبر استخدام الرقم المدني المرتبط إلكترونيا برقم ملكيات السيارات التي يملكها المواطن وقيمة الدعم المفترض تقديمه، ومن ثم ربط هذه المخرجات بمحطات تعبئة الوقود لتلافي أي أخطاء في هذا الشأن.
إذن فالعملية ليست بسيطة كما يعتقد البعض، فإدخال آلية تسجيل طلب دعم مشتقات الوقود وتقديم ما يثبت بأن الدخل لا يتجاوز 600 ريال مثلا تعد وسيلة جيدة لتحديد الفئات المستحقة من عدمها وحث المواطن على إثبات حالته المادية، فضلا عن أن البعض سوف يستحي أن يطالب الدولة بدعم ريالات شهريا في إطار الدعم المفترض وهو يعلم يقينا إنه خارج إطار الدعم، فهذه الجوانب أو النقاط التي يمكن على أساسها تطبيق آليات دعم البترول.
وفي الجانب الآخر على الحكومة تهيئة المجتمع لتقبل هذه المتغيرات والتطورات بإيجابيتها وسلبياتها، فالمواطن اليوم واع بما فيه الكفاية بما يدور حوله، ولابد أن يكون جزءا لا يتجزأ من منظومة العمل بكل تفاعلاتها.
نأمل أن نتفهم دواعي اتخاذ بعض السياسات الاقتصادية التي تفرضها مقتضيات المرحلة والظروف الراهنة، والعمل على التكيف معها بكل الطرق الممكنة ليتسنى تجاوزها بأقل الخسائر، وأن نثق في الخطوات المتخذة من قبل الحكومة إذ هي تهدف لتحقيق مصلحة الوطن في نهاية المطاف وليس لها أجندة أخرى إلا الحياة الكريمة للمواطن.