
غازي السعدي
لدى إسرائيل الرد الجاهز على كل من ينتقدها بتوجيه تهمة اللاسامية له، مع أن الشعوب العربية هم ساميو الأصل ولا يمكن توجيه هذا الاتهام لهم، ففي البداية كانت تهمة اللاسامية توجه إلى الذين ينفون المحارق النازية ضد اليهود، وحتى من يشكك بها، حتى أصبحوا يوجهونها إلى كل من ينتقد سياسات الحكومات الإسرائيلية المتتالية، وتشريعاتها العنصرية، واحتلالها للأراضي الفلسطينية، ونهب الأراضي، وإقامة المستوطنات، وهدم المنازل، إلى غير ذلك من سياسات القتل والقمع والتنكيل، ويبدو أن هذا لا يشفي غليلهم، فتحت عنوان «إعادة تعريف اللاسامية»، طلع علينا الكاتب «اريئيل بولشتاين»، في جريدة «إسرائيل اليوم 21-3-2017»، بأن التمييز ضد إسرائيل كجماعة يهودية هو أيضاً لا سامية، وأن حكومة بريطانيا، بحسب الكاتب، حولت هذا التعريف في ديسمبر 2016، في الجزر البريطانية، إلى أمر ملزم، وأنه يدعو الحكومة الإسرائيلية لعدم الاكتفاء ببريطانيا وحدها، بل الطلب من جميع دول العالم تبني هذا التعريف المعدل للاسامية.
لقد حان الوقت، لدعوة جامعة الدول العربية، والحكومات وسفراء العرب، ومنظمات المجتمع الدولي، لتأسيس هيئة إعلامية-سياسية موجهة إلى العالم وبخاصة الدول الغربية، وتنظيم حملة موثقة وذات مصداقية، مهمتها الكشف عن واقع العنصرية الإسرائيلية، والتحريض الإسرائيلي ضد الفلسطينيين بالوقائع، بعد أن أصبحت القرارات الدولية تتبنى المزاعم الإسرائيلية، باتهامهم ومطالبتهم بوقف التحريض الفلسطيني ضد إسرائيل، فهم لا يريدون قيام الفلسطينيين بالكشف عن العنصرية الإسرائيلية في المنابر الدولية، وعن إجراءاتها ضد الفلسطينيين تحت الاحتلال، بعد أن أصبح احتجاج الفلسطينيين على نهب أراضيهم، وهدم منازلهم، استنكارا للأوامر العسكرية في الأراضي المحتلة، أصبح ذلك يعتبر تحريضاً ضد إسرائيل ولا سامية، فالمطلوب الرد وتوجيه اتهام التحريض لإسرائيل، بدلاً من موقع الدفاع علينا الانتقال إلى الهجوم، ولعلنا نعد «كتاب أسود» في اللغات الأجنبية، للكشف عن عنصرية إسرائيل، فالاحتلال الإسرائيلي للأراضي وللشعب الفلسطيني هو التحريض بعينه ومن حق الفلسطينيين الرد عليه، بجميع الوسائل والطرق للدفاع عن الاتهامات لها بالتحريض، فإسرائيل لا تريد أن يتذمر ويحتج الفلسطينيون على ممارساتها وعنصريتها.
وفي تقريره الذي رفعه إلى مجلس الأمن الدولي مؤخراً، حول عدم تطبيق إسرائيل لقرار مجلس الأمن (2334) بالنسبة للاستيطان الذي أقره مجلس الأمن في شهر ديسمبر الفائت، والذي ينص على أن المستوطنات غير شرعية، ودعوته إلى وقف البناء الاستيطاني، فجاء في تقريره أن إسرائيل لم تستجب للقرار، ودعا مبعوث الأمم المتحدة الخاص للشرق الأوسط «ملدونوف»، كاتب التقرير، لاتخاذ خطوات ضد جميع الأنشطة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية، متهماً إسرائيل أنها تتجاهل جميع البنود التي وردت في القرار المذكور منذ المصادقة عليه، ليقوم السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة، بمهاجمة تقرير «ملدونوف» بقوله: إن المستوطنات ليست عقبة على طريق السلام، بل العقبة تأتي من التحريض الفلسطيني، والإرهاب الفلسطيني، وأنه لا يمكن مساواة الإرهاب الفلسطيني، وقتل الإسرائيليين وببناء المستوطنات، وهذا كذب وخداع، وأن المشكلة قائمة من خلال الأيديولوجية الصهيونية، بأن حدود إسرائيل تمتد من البحر إلى النهر، لكن قتل الفلسطينيين يومياً بقرار اتخذته الحكومة الإسرائيلية لمقاومتهم الاحتلال، فإنه وغيره من القيادات الإسرائيلية يتجاهلونها، حتى أن الرئيس «ترامب» قلق من تأثير البناء الاستيطاني على تقدم مسيرة السلام.
تبنى مجلس حقوق الإنسان الدولي التابع للأمم المتحدة، في شهر مارس الفائت، أربعة قرارات بشأن الاحتلال الإسرائيلي، أولها وعلى رأسها شجب البناء الاستيطاني في القدس الشرقية وفي الضفة الغربية، وهضبة الجولان السورية، والقرار الثاني يتعلق بانتهاك حقوق الإنسان من قبل إسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، ثم يؤكد القرار الثالث حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، والقرار الرابع تطرق إلى حقوق الإنسان الفلسطيني في الأراضي المحتلة، فهذه القرارات الأممية، أثارت حفيظة السفيرة الأمريكية الجديدة في الأمم المتحدة «نيكي هايلي»، لتطلع علينا في خطابها أمام مؤتمر اللوبي اليهودي الأمريكي «آيباك» «27-3-2017»، بأن زمن مهاجمة الأمم المتحدة لإسرائيل قد ولى، فهناك رئيس جديد للولايات المتحدة، مهددة الدول التي تعادي إسرائيل بضربها بالحذاء، فقد أصبحت أكثر إسرائيلية ويمينية حتى من «نتنياهو» و»بينت»، و»ليبرمان» وغيرهم من الحاقدين الإسرائيليين، ووجهت انتقادات لاذعة إلى إدارة الرئيس الأسبق «باراك أوباما» لسماحه بتمرير قرار مجلس الأمن (2334) ضد الاستيطان، واصفة تلك المسلكية بالمخزية والمؤسفة، وتشير إلى أن أمريكا ضعيفة، معتبرة القرار المذكور ركلة في بطن الأمريكيين، وفقاً لـ «يديعوت أحرونوت 29-3-2017»، فهذه السفيرة تكشف عن توجهاتها المتطرفة غير الموضوعية، لفرض شخصيتها وهيبتها خصوصا أنه لم يمر على تعيينها في هذا المنصب شهران.
والحقيقة فإن الأوضاع السياسية للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني مرتبكة، وهناك من يقول إن الإدارة الأمريكية الجديدة لم تتوصل بعد إلى استراتيجية واضحة بالنسبة لهذا الصراع الطويل والمرير، فقد كشفت جريدة «يديعوت أحرونوت 23-3-2017»، عن خلافات إسرائيلية-أمريكية حول الاستيطان، بعد أربعة أيام من المحادثات المكثفة بين المبعوث الأمريكي «جرينبلات» مع «نتنياهو»، ففي إسرائيل وفي تحريضهم على هذا المبعوث، وصفوه بأنه توأم «أوباما»، فإسرائيل التي تنتهك القرارات والقانون الدولي، تتهم كل من يخالفها الرأي باتهامات مختلفة تصل إلى حد اللاسامية، فمطالبة المبعوث الأمريكي بتجميد البناء الاستيطاني في محادثاته لم يعجب الإسرائيليين، كما أن الحديث المطول للمبعوث الأمريكي عن معاناة الفلسطينيين، أثار استغراب الإسرائيليين، الذين فرحوا واحتفلوا بتخلصهم من إدارة «أوباما»، فهناك بارقة أمل من الإدارة الأمريكية لعلها تدوم، وأن دول العالم، وخاصة الاتحاد الأوروبي، وعلى رأسهم المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل»، نددوا بالقرارات الإسرائيلية الاستيطانية، وتطور البناء الاستيطاني في الضفة الغربية، فمن غير الممكن أن يسيطر (620) ألف مستوطن على 46 % من مساحة الضفة الغربية، إذ من المفترض أن تكون هذه المساحات للدولة الفلسطينية العتيدة، فمنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، ومن ما تبقى منها، وبعد تحويل بعضها إلى مناطق عسكرية مغلقة، ومن أكثر القوانين الإسرائيلية انتهاكاً للأراضي الفلسطينية هو قانون «التسوية» الذي شرع مؤخراً لإعطاء الاحتلال الشرعية في نهب المزيد من الأراضي المحتلة، لصالح الاستيطان كما أن الجدران الأمنية العنصرية أدت إلى عزل 10 % من الأراضي لصالح إقامة هذه الجدران.
اللجنة الاجتماعية-الاقتصادية التابعة للأمم المتحدة لشؤون غرب آسيا، تعتزم نشر تقرير أشد من التقرير الأسبق الذي أدى إلى استقالة الدكتورة «ريما خلف»، فهو سيساوي بين الاحتلال الإسرائيلي والعبودية في الولايات المتحدة، وتقدير الأضرار المالية التي لحقت بالفلسطينيين خلال سنوات الاحتلال الخمسين ببلايين الدولارات، فرئيس الموساد الأسبق «تمير باردو» في محاضرته في مؤتمر الأمن والاستراتيجيات بتاريخ «20-3-2017»، وجه تحذيراً للحكومة الإسرائيلية من أن سياستها القائمة، تقود إلى دولة ثنائية القومية، تشكل خطرا وجوديا على إسرائيل، متهماً جميع الحكومات الإسرائيلية بدفن رؤوسها بالرمال، ويعتقد أن المشكلة الفلسطينية تحتاج لأعجوبة سحرية لتنتهي، وأضاف أن من يعتقد أن العلاقات مع الدول العربية والتعاون الاقتصادي معها، سيكون بديلاً لحل القضية الفلسطينية يعيش في الأوهام، فالخطر بوجود قنبلة موقوتة تتشكل أمام دولة اليهود فإن هذا التحذير من قبله ومن الكثيرين من أمثاله، هو رسالة للإسرائيليين، لعل قادتها يرتدعون ويفهمون مغزى هذه الرسالة.
مدير دار الجليل للنشر والدراسات الفلسطينية