
أليشيا بولر
يتمتع ستان جايل بتواضع كبير، إذ لا يبدو عليه إطلاقًا أنه رئيس مؤسسة كبرى ولا يتصرف على هذا النحو. لكن مهما كان الانطباع الذي يطرأ على الذهن عند النظر إليه، فهو رئيس شركة «جايل إنترناشيونال» والمطور الشريك لمنطقة سونجدو الدولية للأعمال بحجم استثمارات يقدر بـ35 بليون دولار أمريكي في كوريا الجنوبية. كما أنه الرجل الذي قاد المشروع الذي أثمر عن بناء مدينة ذات أغراض محددة يقطنها 65 ألف نسمة، مدينة تستثمر التقنيات الحديثة المتكاملة بهدف تحسين مستوى معيشة وجودة حياة قاطني هذه المدينة.
وعلى المستوى العالمي، يُعد مشروع سونجدو أكبر مشروع عقاري خاص في التاريخ، الذي سيقدم -بمجرد الانتهاء منه في 2020 -مجموعة متميزة من المكاتب والمساحات السكنية وأسواق بيع تجزئة وفنادق ومساحات عامة، إذ من المتوقع أن يأوي المشروع 65 ألف مواطن وينتفع من خدماته حوالي 300 ألف زائر يوميا.
فهل يعتبر مشروع سونجدو مثالاً يجسد المدينة الخيالية أم هو مجرد أسلوب حياة جديد؟ تحدثنا إلى ستان جايل ليلقي لنا المزيد من الضوء.
ستان، ما هي أفضل الابتكارات التي تتوقع أن تغزو مددنا بحلول العام 2050؟
من كان يتوقع، قبل ثلاثين عاما، كل هذه التقنيات المبتكرة التي هي بين أيدينا اليوم؟ أعتقد أن الأمر الوحيد الثابت هو أن هذه الابتكارات قد غيرت حياة البشرية.
بعد سنوات طويلة من استخدام التقنيات المرتبطة بعالم الاستثمارات العقارية، أدركت مؤسسة «جايل إنترناشيونال» أنّ من يعمل على تطوير وتحسين جودة حياة البشر هو من يفوز في نهاية المطاف وينال تقدير وإعجاب الجميع.
هل يمكن أن تخبرنا إذًا، لماذا تُعد منطقة سونجدو المدينة الأذكى في العالم يقول ستان: مدينة سونجدو عبارة عن مشروع تطوير أخضر مستدام لمنطقة جديدة استطعنا من خلالها تسخير أحدث التقنيات وقمنا بتطبيق تقنيات الشبكات الرقمية الذكية التي تدعم كل جوانب الحياة المدنية المتطورة، حتى نضمن تحقيق أعلى مستويات الكفاءة التشغيلية للمباني المختلفة، وتنقل يتسم بالأمان والسهولة للسكان في مختلف أرجاء المدينة، ورفع إنتاجية قطاع الأعمال، ودعم قطاع التعليم ليقدم خدمات أفضل للطلاب تواكب أحدث المستجدات العلمية.
ففي سونجدو، ننظر إلى التطبيقات والخدمات والحلول التقنية من منطلق التزامنا وحرصنا على ضرورة تطبيق التقنيات ذات الأثر الإيجابي فقط والتي تهدف إلى تحسين جودة حياة المستخدمين، بمعنى أننا نرسم نمطاً صحياً أكثر لحياة الفرد من أجل زيادة الإنتاجية في بيئة العمل إلى جانب توفير مساحات معيشة أكثر أماناً.
هل من الممكن أن تغدو المدن الذكية أحد المكونات الأساسية التي لا غنى عنها لحياتنا في المستقبل؟
يقول ستان: أثبتت الأبحاث، بما لا يدع مجالاً للشك، أن حياة البشر آخذة في التحول شيئاً فشيئاً إلى بيئات مدنية حضرية. لذلك، لا يمكن للمدن مجاراة أو استيعاب هذا النمو والتقدم التكنولوجي بكفاءة وفعالية، إذا لم تُسَخر هذه التكنولوجيا للتحكم في الأنظمة الأساسية التي باتت مكوناً أساسياً لحياتنا لا يمكننا الاستغناء عنها، سوف تواجه حتماً مشاكل ومتاعب.
وترتكز المدن التي تحظى بنصيبها من الأمان والكفاءة وبيئة العيش الملائمة، في كل ثانية تمر من اليوم، على التكنولوجيا التي باتت الركيزة الأساسية للأمن والسلامة والنقل والترفيه والرعاية الصحية، وغير ذلك من الأنشطة التي لا تُحصى.
أما عن العلاقة بين الذكاء والاستدامة في هذا النمط من المدن فيؤكد ستان قائلا: لا يمكن أن نطلق على أي مدينة لقب «مدينة ذكية» ما لم تكن مستدامة من الناحيتين البيئية والمالية.
ما هي بعض الأمثلة التي توضح لنا كيف يحسن عنصر الذكاء الاستدامة.. يقول ستان: في سونجدو، تضم الأنظمة الأساسية لإدارة الأبنية تقنيات حديثة ومتطورة لضمان عمل الأبراج السكنية والمكاتب بفعالية وكفاءة. وتعتبر هذه الأنظمة «ذكية» عندما يقوم قاطنو تلك المباني باستخدام التكنولوجيا الحديثة في تغيير أنماط حياتهم بشكل إيجابي بالطبع.
فعلى سبيل المثال، يمكن للمُلاّك في مدينة سونجدو متابعة استهلاكهم من الطاقة وربطه بعادات السكان في مختلف أمور حياتهم اليومية. ونلاحظ أن الكثير منهم بدأوا بالفعل في اتخاذ خطوات كبيرة في إدارة منازلهم بشكل أكثر كفاءة، الأمر الذي يعود بالنفع على شبكة الطاقة ويخفض تكاليف الخدمات والمرافق. ويُعد هذا أسلوب حياة «ذكي» يجعل بدوره المدينة «مدينة مستدامة».
برأيكم، هل هناك خطورة من أن يتحول «الذكاء» في تلك المدن إلى «ذكاء مفرط» يؤكد ستان قائلا:
إن مصدر القلق الوحيد الذي يشغل بالنا هو تجاوز المدينة الذكية للحد المسموح به والمقبول من التدخل والمراقبة الدائمة للحياة الشخصية وخصوصيات المواطنين. فالخصوصية وأمن البيانات مسائل جوهرية لا يتعين المساس بها أو التدخل فيها. ويجب أن يقتصر استخدام التكنولوجيا الحديثة على تلبية احتياجات المستخدمين في المقام الأول.
في سونجدو، يمكننا إجراء اختبارات مستقبلية على الحلول والخدمات الجديدة بفضل مجموعة من المواطنين والشركات من القطاع.
كيف يمكن للحياة في المدينة الذكية أن تتطور لتصبح حياة «أفضل» يضيف ستان:
لا بد أن تكون رفاهية وراحة الإنسان على سلم الأولويات لأن بيئة عمل أكثر إنتاجية تحتضن موظفين أكثر سعادة وتضمن مشاركتهم المتميزة وتفاعلهم. فالموظف السعيد يعمل بجد أكثر ويرفع من مستوى الربحية في أي مؤسسة. ونحن نعلم أن زيادة معدلات الأرباح يؤدي بدوره إلى رفع الرواتب ومن ثم تضمن تلك الرواتب جودة حياة أفضل للسكان.
نتطلع في سونجدو كما يقول ستان إلى تشجيع السكان على استخدام التقنيات الداعمة التي تقدم لهم المساعدة الحقيقية وتحسن من حياتهم بدون إهدار الوقت في استخدام عدد كبير من الأدوات والتطبيقات وينبغي وجود هذه التقنيات أن يؤدي حتماً إلى تمكين المواطنين من التطور والارتقاء في ظل استخدام التكنولوجيا الحديثة. وقد فضلنا تعزيز هذا التوجه الذاتي، إذ يتعين على سكان مدينة سونجدو أن يتعايشوا ويسايروا ظروف المعيشة في المدينة وفقاً لظروفهم وبالطريقة التي يحبذونها، فهم من يشكلّون قوام مدينة سونجدو.
سألت ستان عما إذا ما كانت المدن الذكية تقدم حلولاً لمشاكل عالمية مثل تغير المناخ والزيادة السكانية وندرة والموارد فأجاب: المدن لا تقدم حلولاً لمشكلة المناخ أو الزيادة السكانية أو ندرة الموارد أو ارتفاع نِسبة التلوث، بل الإنسان هو القادر على ذلك. فتزويد السكان بالأدوات اللازمة للوصول لفهم أفضل، والتحكم في الجوانب الحيوية للحياة مثل معدلات استهلاك الطاقة وخيارات النقل والمواصلات، والحصول على خدمات الرعاية الصحية وغير ذلك، يتيح لهم فرصة اتخاذ قرارات أفضل.
ما يفعله شخص واحد، قد يؤمن به مئة شخص، ثم ألف، فمليون، وعلى هذا المنوال يمكن لرياح التغير والتحول الحقيقي أن تهب على المجتمع والبيئة والعالم كله.
وعما إذا ما كان يتوقع اتجاهاً متصاعداً لتطوير المدن الذكية في المستقبل يجيب ستان:
إننا حالياً نرصد طلبا متزايدا على المدن الذكية في مختلف أنحاء العالم. ويتباين مستوى التكنولوجيا (أو «الذكاء») باختلاف الأهداف والمتطلبات اللازمة للتطور. وهناك زيادة خاصة في الطلب من بلدان الاقتصاديات الناشئة، إذ تؤدي الزيادة المطردة في التحضر إلى إرهاق المدن التي تئن بأعباء شاقة متزايدة.
وسألت ستان عن أكثر المفاهيم الخاطئة انتشاراً بين الناس حول المدن الذكية فقال:
ينبغي ألا ننظر إلى المدن الذكية من جانبها التقني. فالأمر هنا لا يتعلق بمستوى تطور أو استخدام الأجهزة الرقمية بالمدينة كلها فحسب، بل إن الأهم هو كيفية استيعاب المواطن واستخدامه للتكنولوجيا للوصول لأهدافه بما يعود عليه وعلى الجميع بالنفع، فالدمج بين صفتي الذكاء والاستدامة مع قدرة التكنولوجيا على التطور بشكل مستمر لتمكين المواطنين، هو ما سيحدد نجاح المدن الذكية من عدمه في المستقبل.
متخصصة في مواضيع الأعمال والتكنولوجيا