
علي بن راشد المطاعني
في الوقت الذي نتطلع فيه إلى أن تكون هيئة الاعتماد الأكاديمي -التي أنشئت بالمرسوم السلطاني السامي رقم 54/2010 لتقييم مؤسسات التعليم العالي والنهوض بمستوياتها الأكاديمية إلى مستويات عالمية- قادرة على التنافس في تقديم مستويات عالية من التعليم لأبنائنا، وتكون الجامعات والكليات منارات علم ومعرفة وفقا للمعايير الإقليمية والدولية ومن خلال أنشطتها المشار إليها في المرسوم السلطاني المشار إليه، فإنها تسعى للوصول لتلك الغاية عبر أنشطتها الرئيسية والتي تتلخص في الاعتماد المؤسسي المكون من مرحلتين، هما: تدقيق الجودة والتقويم مقابل المعايير المؤسسية، والاعتماد البرنامجي، وتدقيق البرامج التأسيسية العامة والارتقاء بمستوى الجودة وتحديث الأطر الوطنية للتعليم.
إلا أن الهيئة على ما يبدو افتقرت إلى أحد الأسس التي يجب أن تقوم عليها مثل هذه الجهات المستقلة والمحايدة، ولعل تشكيل مجلس إداراتها من الجهات المقدمة للتعليم العالي كوزارة التعليم العالي وممثلي الكليات أو شركاء في شركات لها كليات تشرف عليها الهيئة، يشوب استقلاليتها ودورها المحوري المفترض أن يكون بعيدا عن هذا الخلط الذي لم يوفق في اختيار من يكون بمجلس أعلى هيئة أكاديمية يفترض أن يكون أعضاء مجلس إدارتها ممن ليس لهم مصلحة بمؤسسات التعليم العالي جملة وتفصيلا.
إن الدواعي التي أنشئت من أجلها الهيئة تهدف لترسيخ تعليم عال يتميز بمواصفات عالمية، ولعل ما قامت به في السنوات الفائتة يثلج صدورنا جميعا، فقد أسهمت في الارتقاء بالجامعات والكليات الحكومية والخاصة عبر فرق مختصة تقوم بدراسة المقررات الأكاديمية واستطلاع الآراء وطرح استبيانات على الجمهور، وغيرها من أعمال التقييم التي عدلت الكثير من الأوضاع الأكاديمية، إلا أنه وفي تغيير تركيبة مجلس إدارتها في الآونة الأخيرة فقد حدث إخلال واضح أثر في رسالة الهيئة وفي دورها، فكيف يكون الخصم إن جاز لنا التعبير حكما على نفسه، فوجود مسؤولين من الجهات المعنية بالتعليم المقدمة له كأعضاء يخل إخلالا كبيرا بمفهوم الاستقلالية ويؤثر على حتمية تقديم تقييمات محايدة يُعتد بها، بل إن ذلك قد يؤثر على سمعة الهيئة وبالتالي سمعة مؤسسات التعليم العالي عموما. وأيضا، فالإشراف والتقييم سواء على مسابقات أو جوائز أصطلح أن يكون محايدا وبعيدا كل البعد عمن له علاقة بهذه الجائزة أو تلك المسابقة فما بالك بالإشراف على التعليم العالي الذي يجب أن يكون البعد بين المقيمين والمقدمين والمنفذين كبعد السماء عن الأرض، هذا إن أردنا صلاح منظومة التعليم العالي، وإن أردنا الحق كل الحق فإننا نقول إنها تحظى باهتمام كبير من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- الذي بتوجيهاته أصبح أشبه بالإلزام أو متاحا لجميع الخريجين، فهذا الإشراف والتقييم يجب أن لا يُمس بتدخلات غير واعية في عضوية مجلس إدارة هيئة مناط بها تشخيص هذا التعليم وتنقيته من الشوائب لكي يكون منافسا قويا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.
لا أعرف لماذا لا نستفيد من التجارب العالمية في مجال إنشاء هيئات الاعتماد الأكاديمي وكيفية عملها، وهل يختلط فيها الحابل بالنابل وتضيع ماهيتها وتتبخر رسالتها إذا ما اشتد الحر ورمض الجندب؟.. ومن ثم تفتقر للحيادية المطلوبة، فبعض التجارب تمنح تصنيفات للجامعات والكليات وتتغير سنويا صعودا وهبوطا بناء على تقييمات علمية دقيقة، ومؤشرات تصدر على أساسها المستويات، لذا تجد بأن الجامعات والكليات تجتهد وتسرع في إصلاح التعليم فيها وتعمل جاهدة لتطوير ذاتها بحيث تحافظ على مستوياتها وذلك ينعكس اجتماعيا وأسريا في تحديد مستويات الإقبال عليها من قبل الطلبة بعد تفضليهم لها على نظيراتها.
بالطبع لا نقلل مما تقوم به الهيئة من جهود في تقييم التعليم العالي بهذه التشكيلة في مجلس الإدارة لكن لا نرغب أن نضع هذا التضارب في الاختصاصات في إدارة هذا الجانب المهم باعتباره عقبة كأداء، ولا نرغب أيضا في أن يشكك أحدهم يوما ما في نزاهة الهيئة وعدم حيادية تقاريرها وتقييمها بسبب انتماءات أعضاء مجلس إدارتها الذين يتولون إدارة مؤسسات تعليم عال هم أعضاء بها.
نأمل أن يتفرغ كل واحد في اختصاصه ونضع فارقا شاسعا بين من يقدم التعليم العالي ويرخصه وبين من يقيمه ويصدر التقارير الخاصة بكفاءته.