تطور مفاهيم الرعاية العمالية.. والتحديات

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٠/أبريل/٢٠١٧ ٠٤:٥٥ ص
تطور مفاهيم الرعاية العمالية.. والتحديات

محمد محمود عثمان

يعد الاهتمام بالعمل والعمال وحقوقهم من العناصر الرئيسية لتحسين بيئة العمل وزيادة الإنتاج، ومن مظاهر التقدم والرقي والحضارة، لذلك أصبحت الرعاية العمالية من الحقوق الصريحة في مجال حقوق العمال وجزءا لا يتجزأ من الاتفاقيات الدولية، وفي وثائق حقوق الإنسان، وهذا هو التحدي الحقيقي والمعادلة الصعبة أمام بعض الدول العربية التي لم تحاول ولو على استحياء تحقيق التقارب والتوافق بين قوانين العمل المحلية وقوانين واتفاقيات منظمة العمل الدولية، وحتى العربية، ومواثيق حقوق الإنسان، لتحقيق بيئة عمل مناسبة تساعد على زيادة الإنتاج ورفع إنتاجية العامل، وتحقق الانسجام والترابط وبين أطراف الإنتاج الذي يحقق الاستقرار النفسي والمادي للعمال، بما ينعكس إيجابيا على الجميع، من خلال العمل على تعديل الكثير من بنود وقوانين العمل المحلية، حتى تتوافق مع قوانين العمل الدولية والعربية ومواثيق حقوق الإنسان العالمية، التي صدقت عليها، أو أحجمت عنها حتى الآن.

والحقيقة فقد تباينت تصديقات الدول العربية على الاتفاقيات تباينا واضحا، رغم أن جميع الدول العربية قد انضمت إلى منظمات العمل، لذلك فإن توصيات الدورة الـ43 لمؤتمر العمل العربي التي عقدت بالقاهرة في أبريل من العام الفائت، قد ناشدت الدول التي لم تصادق على اتفاقيات العمل العربية سرعة التصديق عليها دعما للنشاط المعياري العربي وتحقيق أهدافه في تطوير تشريعات العمل والنهوض بشروط وظروف العمل في الدول العربية عملا بالميثاق العربي للعمل ودستور منظمة العمل العربي، إذ إن مفهوم الرعاية العمالية في معظم بلادنا العربية ما زال دون المستوى، ويحتاج إلى صياغات وتعديلات وتحديثات، تتبنى تشريعات وإضافات جديدة لحماية حقوق العمال، ولا سيما إذا كانت النقابات العمالية في الوطن العربي لم تظهر لها دور بارز في الدفاع عن حقوق العمال وتبني إعمال الاتفاقيات الدولية والعربية حول مساواة العمال الأجانب في الأجور الأساسية طبقا للقوانين المحلية خاصة إذا تساوت المؤهلات والخبرات، كما أن الرعاية العمالية تحتاج أيضا إلى كوادر مؤهلة ومدربة وقادرة على أمرين: فهم طبيعة وأهداف الرعاية العمالية، والقناعة بها، ثم القدرة على تطبيقها على الواقع بأسلوب علمي يعتمد على الأساس المعرفي والقيمي والمهاري لمفاهيم الخدمة الاجتماعية، التي تمارس في المصانع والنقابات والاتحادات العمالية، وتهدف إلى مساعدة المؤسسات الإنتاجية والخدمية على تحقيق أهدافها وخططها، من خلال رفع كفاءة الإنتاج كما نوعا، وبتكريس العلاقات العمالية السليمة التي تعمل على إشباع الحاجات الضرورية للعاملين، لتحقيق أقصى حد ممكن من الإنتاجية للعامل، من خلال مساعدته على مواجهة المشاكل المعوقة لأداء عمله مع التدريب المستمر، وتنمية قدراته، إذ يعتمد الإنتاج بشكل أساسي على العامل وقدراته ومهاراته وثقافته، بجانب اعتماده على التكنولوجيا والتقنيات الحديثة

وأيضا من أهم التحديات في تطور مفهوم الرعاية العمالية ألا تقتصر على من انخرطوا في سوق العمل فقط، بل تمتد إلى أبعد من ذلك، في السعي إلى توفير مصدر مناسب ومؤقت للعامل المفصول من العمل وأسرته، حتى يتم الفصل النهائي في منازعته رضائيا أو قضائيا، بالإضافة إلى المساعدة في الحصول على فرصة عمل أخرى، ومن خلال إعادة التأهيل الفعال للعاملين المفصولين أو المستعبدين من العمل بسبب المرض أو العجز.

وكذلك تتولى الرعاية العمالية المطالبات القضائية المستحقة للعامل المفصول من وظيفته ليكون ذلك من منظومة العمل، إلى جانب ما تقوم به النقابات العمالية، على أن تخصم النفقات من مستحقات العامل الذي قد لا يستطيع تحمل تكاليفها، خاصة إذا طالت فترة المنازعة، إذ إن الرعاية العمالية في الدول الأوروبية تضمن للعمال وأسرهم الحد الأدنى للنفقات وتقديم خدمات اجتماعية مباشرة، من خلال صناديق خاصة بالرعاية العمالية، وذلك لفترة زمنية محددة حتى يتمكن العامل من الحصول على فرصة عمل، وقد يتطلب ذلك إنشاء صناديق للرعاية تمول من حصيلة الرسوم على الأيدي العاملة الوافدة ومن الضرائب على الشركات الكبرى، وبذلك نحمي المجتمع من الآثار السلبية ومن الجرائم التي قد تحدث إذا استمر العامل بدون دخل يفي بمتطلباته الأسرية، ومنهم عمال وعاملات من جنسيات أجنبية ليس أمامهم من سبيل، وقد يدفعهم ذلك لتجارة المخدرات أو السرقات أو ارتكاب جرائم مخلة بالآداب وتؤثر على عادات وقيم المجتمع.