مبعث سعادتنا في دُنيانا

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٠٩/أبريل/٢٠١٧ ٠٤:٤٥ ص
مبعث سعادتنا في دُنيانا

أحمد المرشد
سألوني عن الأحزان والأفراح، فكان ردي: «ولماذا نحزن طالما خلقنا المولى عز وجل بعقل نفكر به وقلب ينبض، فلنسعد إذن وليس أمامنا سوى الفرح، فلماذا الحزن؟ فالرزق آت، سواء فكرنا أو لم نفكر، فلماذا نحزن طالما ملكنا الوعد الإلهي بالرزق. ليس معنى كلامي، أن نركن إلى التكاسل والاتكال، ولكن علينا بالتوكل على الرزاق».

ثم لماذا نحزن، ولدينا وطن وربما أوطان، ولدينا فجر وشمس، فجر يأتي كل يوم بآمال وأفكار وأرزاق وأخبار وحياة، وشمس تقضي على ليل وظلمة، فربنا خلق لنا أسباب السعادة، فلنفرح بها ونسعد.

أليس لكل عاشق وطن يهفو له قلبه وعقله ووجدانه؟ أليس لكل منا حياة تمنحه أسباب العيش على هذا الكوكب؟ أليس لكل منا زهرة يحبها تكون له وطناً وحياة وطريقاً يقطعه إليها ولو بالأميال؟ فالعاشق وطن، ومنتظر الفجر وطن، ومَن يحب فعل الخير والخيرات وطن، وهذا يمنحنا السعادة أيضاً، فإذا انتظرت قدوم يوم جديد لأفعل خيراً، فهذا يمنحني القوة، ولهذا نقول إن فعل الخير سعادة.
ولماذا نحزن، ولدينا أمهاتنا، وقال لنا الخالق إن الجنة تحت أقدامهن، فالأمهات في الجنة وهن شفعاء لنا بإذن الله تعالى.. ولماذا نحزن إذا كان الخالق طلب منا التسامح، وأن نتسامح حتى مع ممن أساء لنا، ولنا في رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، أسوة حسنة؛ أساء له جاره اليهودي، فزاره وهو مريض، أساء له الكفار فسامحهم يوم الفتح العظيم، ولم يضمر ضغينة لأحد، فكان نعم المثل والقدوة.
ولماذا نحزن ونحن مطالبون في هذه الدنيا بأن نزرع حتى آخر نبض في حياتنا، ولنا هنا أيضاً أسوة حسنة في رسولنا الكريم، عندما دعانا إلى أن نزرع حتى مع ظهور علامات يوم القيامة.
لقد قرأت يوماً جملة للدكتور عايض القرني، أرى أنها جميلة حقاً، ولعلي لا التزم تماماً بنص الجملة ولكني سألتزم بمعناها الرائع، وتبدأ بتساؤل عن الماضي والمستقبل، أما الإجابة فهي أننا لا نملك تغيير الماضي، وبالتالي لا نملك رسم المستقبل.. وانطلاقاً من عدم الملكية هذه لأن المالك هو المولى عز وجل، فلا يجب علينا أن نقتل أنفسنا حسرة على شيء لا نستطيع تغييره ولا غد ليس بالإمكان صنعه من اللحظة الراهنة، ولكن السعادة أن ننظر إلى الحياة على أنها قصيرة ولكن أهدافها كثيرة، ومن دواعي الفرح والسرور أيضاً أن ننظر لأعلى إلى السحاب، وليس لأسفل إلى الأرض، وإذا ضاقت بنا الدنيا علينا اللجوء إلى علام الغيوب. ويضيف القرني، أن التوفيق من الله سبحانه وتعالى، ونحن لسنا السكان الأصليين لهذا الكوكب الأرض، بل نحن ننتمي إلى (الجنّة) حيث كان أبونا آدم يسكن في البداية لكننا نزلنا إلى الأرض مؤقتاً لكي نؤدي اختباراً قصيراً، ثم نرجع بسرعة.. وما علينا فعله هو أن نعمل ما بوسعنا للحاق بقافلة الصالحين التي ستعود إلى وطننا الجميل الواسع ولا نضيّع وقتنا في هذا الكوكب الصغير.
ومن القرني إلى قصة «القهوة والفناجين»، وربما يكون البعض قرأها في مواقع التواصل الاجتماعي، ولكنها حقاً ممتعة وتصب مباشرة في سبب أحزان البشر وعدم شعورهم بالسعادة، ومبعث روعتها أنها حقيقية حتى وإن لم نمر بها، ولكن معظمنا عاش المعنى ولو قليلاً ولكن بشرط أن نمعن النظر فيها لنعيد الرشد إلى تفكيرنا في الحياة. تبدأ القصة عندما دعا أستاذ أكاديمي طلبته في إحدى الجامعات لزيارته بمنزله بعد سنوات طويلة من تخرجهم. ومنهم من حقق نجاحات كبيرة في حياتهم العملية ونالوا أرفع المناصب وحققوا الاستقرار المادي والاجتماعي، ومنهم من أخفق في تحقيق أهدافه في الحياة.
غاب الأستاذ عن طلبته بعض الوقت ليجهز لهم القهوة، ثم عاد يحمل أبريقاً كبيراً من القهوة ومعه أكواب من كل شكل ولون: أكواب صينية فاخرة، أكواب بلاستيك، أكواب زجاجية عادية، وأخرى من الكريستال، أي أن الأكواب اختلفت وتنوعت ما بين جمال التصميم والرقي وغلاء الثمن وتلك الرخيصة التي نراها في أفقر المنازل. استمر الطلاب بعض الوقت يتشاغلون بانتقاء الأكواب قبل أن يصب لهم أستاذهم القهوة، ثم سألهم: هل لاحظتم أن الأكواب الجميلة فقط هي التي وقع عليها اختياركم.. وأنكـم تجنبتم الأكواب العادية؟ لم ينتظر الإجابـــة ولكنـــه أردف مباشرة: «من الطبيعي أن يتطلع الواحد منكم إلى ما هو الأفضل، ما كنتم بحاجة إليه فعلاً هو القهوة وليس الكوب، ولكنكم تهافتم على الأكواب الجميلة الثمينة».
الحوار بين الأستاذ وطلابه لم ينته بعد؛ لأنه عندما رصدهم جميعاً، اكتشف أن كل طالب يراقب الكوب الذي في أيدي الآخرين، وقال: «لو كانت الحياة هي: القهوة، فإن الوظيفة والمال والمكانة الاجتماعية هي الأكواب، وهي بالتالي مجرد أدوات وصحون تحوي الحياة ونوعية الحياة.. (القهوة) تبقى نفسها لا تتغيّر، وعندما نركز فقط على الكوب فإننا نضيّع فرصة الاستمتاع بطعم القهوة، وبالتالي أنصحكم بعدم الاهتمام بالأكواب والفناجين، والأهم أن تستمتعوا بالقهوة».
وهذا هو حال الكثيرين، مما يسبب لهم صداعاً دائماً بل مرضاً لا شفاء منه لأنه ليس له دواء، فأمر داء ليس له دواء، ولذا فإن السعادة أن نحمد الله على ما وهبنا ورزقنا ونرضى بما في أيدينا من نعم وعطايا هي ليست في حوزة الآخرين مهما بلغ غناهم المادي، فالعليل يتمنى الصحة مهما اكتسب من أموال لأنها لن تعيد له الصحة، فراحة البال لا تشترى بكنوز الدنيا، ولكن بحمد ربنا وشكره. أما الحزن فهو مرض يصاب به من راقـــب الناس، فقـــد مات كمداً وحسرة. ولدينا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَن أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها).
لا نريد أن نقول هذا حال البشر، لا يجب أن نكون مثل الذي أضاع صحته وجهده في حصد الأموال، فإذا جمعها مرض وفشل في استعادة صحته، وهذا الذي أضاع يومه يفكر في غده بقلق، ونسي معه حاضره، فلا استمتع بيومه ولا غده. وهذا الذي نظر لنعم غيره وترك نعمه، فلا هو استمتع بها بل أضاع حياته ناقماً على قلة ما لديه رغم أنها كثيرة ولكنه لم ير ولم يشعر، فأضاع عمره حزيناً لم يشعر بلحظة سعادة قط.
وأخيراً، أرى أنه من دواعي سعادة الإنسان، أن يحب ويعشق، وينتظر محبوبه، هذا المحبوب الذي يأتيه فجراً ليناجيه، وما أحب في هذا المقام مما تغنت به نجاة في أغنيتها الرائعة «أنا بستناك»، فكم شعرت بالسعادة وهي تنتظر حبيبها عندما جعلته من ليلتها شمعة سهرانة لليلة حب في انتظار الحبيب القادم. وإذا كان ملمس الحرير أحب للنساء، فقد جعلت من قلبها حريراً ليكون مطرح حبيبها.
ما أحلى سعادة الانتظار في الشباك: «من الشباك وأنا خدي على الشباك، أنا والشوق وناره الحلوة بستناك وفرح الدنيا مستنياه مستني معادي معاك يا أجمل ليلة في عمري حبيبي جه يا ورده بيضة في شعر حبيبي جه يا عقد ياقوت على صدر حبيبي جاي وأزوق ليلي وأتزوق لأجمل وعد وأذوب لك في شرباتي شفايف الورد وأقول لك ذوق ذوق ذوق حلاوة القرب بعد البعد أنا أنا باستناك باستناك أنا».
إلى هنا انتهى الكلام، وحان وقت سماع الأغنية كاملة.. تحياتي.

كاتب بحريني