نحو فهم مشترك بين السلطتين

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٠٩/أبريل/٢٠١٧ ٠٤:٣٠ ص
نحو فهم مشترك بين السلطتين

علي بن راشد المطاعني
ali.matani@hotmail.com

في الوقت الذي يتطلب أن تكون السلطتان التنفيذية والتشريعية على توافق في العديد من الجوانب المتعلقة بالمصلحة الوطنية، لاسيما في هذه المرحلة بالذات التي تمر فيها البلاد بظروف استثنائية غير عادية جراء الأزمة الاقتصادية، إلا أنه وعلى ما يبدو فإن هناك فجوة بينهما بنحو لا يتناسب وضرورات المرحلة التي توجب التكاتف والتعاضد بين سلطات الدولة، إذ نحسب بأن مرحلة البناء الوطني لا تزال في بداياتها التأسيسية وهي تحتاج للمزيد من الوقت والجهد المشترك حتى تتكلل مرحلة البناء الشاق والعسير بالنجاح التام إشارة إلى إننا نتحدث عن دولة بحجم سلطنة عُمان، وهو واقع يتطلب تجاوز بعض الإشكاليات وعدم التمسك أو الانصياع لبعض الآراء التي لم تستوعب بما فيه الكفاية ضرورات المرحلة الدقيقة التي تمر بها بلادنا ومنطقتنا الخليجية من ناحية عامة.

لا شك أن العلاقة بين مجلسي الوزراء والشورى تجسدت وتبلورت بناء على ما نص عليه منطوق النظام الأساسي للدولة والمراسيم السلطانية السامية ذات الصلة والتي نظمت العلاقة بين المجلسين على نحو دقيق وبما يخدم المصلحة العامة، وذلك عبر العديد من الآليات التي أسهمت في ترسيخ علاقة وطيدة أسهمت في الوصول إلى العديد من الحلول الناجعة لبعض القضايا الوطنية.
ولعل الاجتماع التنسيقي المشترك الذي يعقد مرتين كل عام يعد أحد الأدوات التي ترسِّخ هذه العلاقة بين المجلسين، فضلاً عن المراسلات بينهما فيما يخص متابعة التوصيات والمطالبات من الوزارات والأسئلة البرلمانية التي تعدُّ هي الأخرى وسيلة رقابية تتفاعل معها الجهات الحكومية على نحو إيجابي، ناهيك عن اللقاءات المشتركة والفردية بين أعضاء السلطتين ومناقشاتهما فيما يهم الوطن والمواطن، فهذه تشكل تقدماً طيباً لا يجب إغفاله أو اختزاله في حالات تتطلب بعض الوقت للإيفاء بها من جانب الحكومة.
بل تعدُّ استضافة الوزراء لإلقاء بيانات أمام الشورى عن إنجازات الوزارات الخدمية، والتحاور بين الوزراء وأعضاء مجلس الشورى في كل ما يهم العمل الوطني والأخذ في الاعتبار بملاحظات الأعضاء وإيجاد الحلول للمعضلات بناء لتلك الحوارات، يعدُّ أحد أهم الوسائل التي اتبعت منذ انطلاقة مجلس الشورى في العام 1991، وهناك تقدم كبير حدث في هذا الشأن عالجت الحكومة عبره الكثير من القضايا من خلال ما تخرج به هذه اللقاءات والجلسات العلنية، وتقف عبره أيضاً على الكثير من التحديات التي تواجه مسيرة التنمية في البلاد وهو ما يجب أن نستذكره ونقدره لمجلس الشورى وأعضائه.

والجانب الآخر الذي تأخذ السلطة التنفيذية به هو مقترحات وتوصيات مجلسي الشورى والدولة بشأن تعديل وتفعيل التشريعات والقوانين المنظمة للعمل في الدولة كجزء من صلاحيات الشورى في هذا الشأن، لقد شهدت الفترة الفائتة مناقشة قوانين كانت محل اختلاف وفصل فيها برفعها إلى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- وهذا تطور إيجابي يجب أن لا ينكره أحد في إطار التجربة العُمانية في الشورى وكذلك في إطار عمر النهضة في السلطنة ككل، ومقارنة مع تجارب العمل البرلماني في العديد من الدول المجاورة، فإن ما يحسب للسلطنة هو أن مشاركة المواطن عبر مجلس الشورى وغيره في صنع القرار تتوسع شيئا فشيئا، تعزيزا لدولة المؤسسات والقانون وبما يتواكب مع تطور المجتمع، وهذا ما لا يجب أن يغيب عن أعضاء مجلس الشورى، بل يتعين استثماره بشكل صحيح وفعال باعتباره نقطة الارتكاز الأساس في عمل المجلس مع مجلس الوزراء.

إن العلاقة بين المجلسين ليست قائمة على التحزب لكي نبرر التعاطي غير الإيجابي الذي حدا ببعض الأعضاء إلى إصدار البيانات والشكاوى والشد والجذب الذي يشتد وطيسه بين الفنية والأخرى، بدوافع لا تخدم التوجهات الوطنية التي تتطلب من الجميع التعاضد لمواجهة التحديات التي تواجهها الدولة، وليس الوقوف أمام بعض الإشكاليات البسيطة في العمل الإداري الذي تلفه أحيانا بعض السحب الضبابية، التي تحتاج بطبيعة الحال لبعض الصبر والتريث حتى تنجلي.
بالطبع نتطلع إلى تعزيز المشاركة الشعبية وبالأخص عبر القنوات المعروفة كمجلس الشورى وتفعيل دوره، ولكن في ذات الوقت نتطلع أن يكون أكثر إيجابية وأكثر هدوءاً في هذه المرحلة وكذلك لا نريد لهذه التجربة أن تخرج عن المألوف بمزيد من الشطط في التناول كالتجارب الأخرى النادمة على ما هي عليه.

وعلى الجانب الآخر نتطلع إلى المزيد من التنسيق بين المجلسين والتوافق على ما يجب مناقشته بعلنية وسرية وفقا لمقتضى الحال، ووفقا لما تمليه المصلحة، وهذا أمر طبيعي ومتعارف عليه عالمياً، فليس من الضروري أن تكون كل المناقشات علنية لاستعراض العضلات، وإنما يجب أن ندرك بأن للدول أسراراً، لا يجب أن نتعاطى معها بعشوائية ومزايدات لا تخدم الصالح العام.

نأمل أن يتفهم مجلس الشورى ‏وأعضاؤه الكرام طبيعة المرحلة وظروفها الاستثنائية وأن يعمل على توجيه طاقاته إلى ما هو أهم للوطن وللمواطن، وتخفيف حدة الشد والجذب، فذلك في الواقع والحقيقة لا يخدم إلا المتربصين بهذا الوطن، وأن يعملوا جهد طاقاتهم، إذ لا نشك أبداً في حبهم وإخلاصهم لهذا الوطن العزيز، أن يعملوا لمعالجة القضايا الملحة بشكل ممنهج تحقيقاً للمصلحة العليا التي نحرص عليها جميعاً.