هُوية معمارية للعاصمة

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٠٩/أبريل/٢٠١٧ ٠٤:١٥ ص
هُوية معمارية للعاصمة

إبراهيم بن سعيد الحسني
Arts9216@gmail.com

محافظة مسقط بشتى ولاياتها وقراها المتناثرة بين السهول المنبسطة، والتلال المتحاضنة، وعلى سفوح الجبال الشامخة، وبمحاذاة الشواطئ الممتدة، والأحزمة الرملية الناعمة، بمختلف تضاريسها وبيئاتها المعاصرة ليست وليدة النهضة فهي قديمة قدم التاريخ، مأهولة بالسكان والعمران منذ قرون تعاقبت فيها حضارات وأمم، استوطنت واندرست، وتوالدت أمم أخرى دواليك، فقد اكتشفت بها أقدم المستعمرات البشرية التي تعود إلى القرن العاشر قبل الميلاد، وهي اليوم في وجهتها المعمارية وحركة التنمية والتشييد بين تيارين: هوية محافظة على روح الفن والعمارة العمانية ذات الأبعاد الإسلامية، وبين الانفتاح والحرية التي تطمس معالم تلك الهوية.

فالمتعايش والزائر لمسقط يجد الكثير من الصروح الشامخة والقرى الوديعة، التي تحكي قصة المجد والأصالة، شيدت بطابع إسلامي أصيل كجامع السلطان قابوس الأكبر، الجوامع السلطانية، دار الأوبرا السلطانية، القصور، ومباني مجلس الدولة والشورى، بجانب العناية بترميم الأبراج والقلاع والأسوار، وغيرها من المعالم والمنشآت الحديثة المطرزة بفن العمارة والهوية الإسلامية التي تزخر بها ردهات العاصمة.
وفي جانب آخر تظهر لك العديد من المنشآت السكنية والأحياء والمباني بصبغة وأشكال معمارية مستوردة، وتقليعات غريبة، ناهيك عن الألوان الصارخة غير المتجانسة والتطعيمات غير المسوغة.
ومع التطورات والعولمة التي طرأت على الفكر البشري وما نتج عنها من تأثير في أنماط الحياة والممارسات التي طالت كذلك المسكن والملبس والعلاقات الاجتماعية وشتى تفاصيل الحياة حتى صارت بعض المنازل والمباني مجردة الهوية والطابع وكأنك لست في بلد الحضارة والتراث التليد.
فالمحافظة تقتضي من اشتقاق اسمها أن تبقى محافظة على هويتها ونسيجها المعماري وفق الضوابط الوطنية المتينة، ونحن نقدر الدور المنشود في هذا الجانب غيرة على الأصالة والحضارة العمانية التي تعد سمة من سمات هذا الشعب العريق، ونستبشر بحلقة العمل التي نظمتها بلدية مسقط حول مستقبل الهوية المعمارية لمحافظة مسقط بالتعاون مع (المعهد الملكي البريطاني للمعماريين) الذي يعد الواجهة الأولى للمعماريين في العالم قاطبة وبمشاركة نخبة من الخبراء والمهندسين والباحثين العالميين في مجالات التخطيط والمعمار وعلى رأسهم القامة الأبرز عالميا في مجال تخطيط المدن والفضاءات العامة البروفيسور «يان جيل» مستشار ملكة الدنمرك للتخطيط الحضري ومؤلف كتاب «مدن للناس» المترجم إلى 24 لغة، وتلاقحت في تلك الحلقة عصارة الفلسفة المعمارية لمدينة مسقط، مستعرضة التحديات التي تواجه الهوية المعمارية بالمحافظة ومسبباتها والبحث عن تفاصيل التخطيط واستعراض النماذج العالمية الرائدة؛ تهيئة لوضع مرئيات وأطروحات فنية ترسخ الهوية وتبلورها في تنظيم متكامل.
وفاحت في حلقات العمل الحوارات والمداخلات العلمية الجادة، فعلى مدى يومين أفردت مساحة خصبة لاستعراض الرؤى والبحث عن منطلقات تجسد لهوية رصينة، وما زاد من عمق الجلسات حضور مسؤولين متخصصين في مقدمتهم معالي المهندس محسن بن محمد الشيخ رئيس بلدية مسقط وسعادة المهندس سيف بن عامر الشقصي اللذين أثريا الجلسات بمداخلاتهما وأفكارهما في نهم يدلل على التمكن وعمق التخصص الذي يمتلكانه في هذا المضمار.
وحتى يضبط الخيط في المخيط ويكون التطريز دقيقا وإبداعيا فعلى المعنيين بداية الوقوف على التحديات التي تواجه قطاع التخطيط والعمران في مسقط، فهناك تشتت في المهام، وازدواجية في الأدوار بين عدة جهات كل يجتهد في واد، فمخطط سكني بمسقط تتقاسم الإشراف عليه عدة جهات وتتفرع الأدوار بين وزارة الإسكان والمجلس الأعلى للتخطيط، وبلدية مسقط وذراعها التشريعي «المجلس البلدي» بجانب مهام إضافية غالبا تحال لبيوت الخبرة والمكاتب الاستشارية!
كما أن هناك تجاوزات عديدة واستثناءات مقدمة في منح الامتدادات، وتغيير استخدامات الأراضي، وتغييرات غير منظمة بارتفاعات المباني، تضر بالتخطيط العام للمدن وتوجد تحديات مضاعفة على المدى القريب، في ظل غياب التنسيق وعدم التوافق في القرارات والتوجهات بين تلك الجهات، فحري أن تسند مهام التخطيط الحضري واستغلال الفضاءات وكل ما من شأنه تطوير محافظة مسقط إلى جهة معينة واحدة تخطط وتنفذ وتشرف، وكون بلدية مسقط الجهة المعنية بإصدار تراخيص البناء ومتابعة عمليات التشييد والعمران، وإجراء الدراسات الفنية، وتوفير خدمات الطرق والإنارة وتطوير الأحياء فربما هي الأقرب لتضم تلك المهام المتفرعة كافة؛ حتى تكون هناك تكاملية، وتجانس وتناسق تحت مظلة جهة واحدة معنية بجميع المراحل بدءا من عمليات التخطيط مرورا بمتابعة أعمال التنفيذ ولغاية الانتهاء من المنشآت والمشاريع وفق الأجندة الواضحة.
كما أن من الأهمية وجود (دليل معماري إرشادي لمحافظة مسقط) ينظم عمليات التخطيط والتصميم المعماري، حيث يوفر الجهد، ويقدم خيارات متعددة للمستفيدين ويساعدهم على كيفية الشروع في انتقاء تصميم الوحدات بشتى استخداماتها السكنية والتجارية والصناعية وغيرها، في خطوة لإيجاد مساحة من الانطلاق في رسم ملامح التعمير وفق ضوابط تستند على هوية وطنية نابعة من أصالة السلطنة، وحسب الإرشادات والمعايير التي تتبنى الهوية في المشاريع العمرانية كافة.