
د. محمد ناجي الكـعـبي
يتوافر اليوم عدد كبير من تصنيفات الجامعات، والتي تختلف في أساليبها (خوارزمياتها) لتقييم الجامعات، وبالتالي فإن هناك اختلافا واضحا في نتائجها. لذا تسعى البعض من المؤسسات القائمة على هذه التصنيفات لعقد الندوات والاجتماعات بهدف تطوير وتوحيد أساليب تحديد موقع كل جامعة ضمن التصنيفات المختلفة. وهناك اليوم العديد من حكومات الدول المتقدمة والنامية والدول العربية المدركة لحقيقة وجدوى الاستثمار في مجال التربية والتعليم، وعلى الأخص في مجال التعليم العالي من خلال جامعات تحرز أعلى المراتب ضمن التصنيفات العالمية للجامعات، مما يؤدي إلى إيجاد معارف وعلوم وخبرات جديدة تصب في إيجاد نمو اقتصادي. وقد ساهمت هذه التصنيفات للجامعات على جذب الطلبة الساعين لتلقي العِلم في أفضل الجامعات على استخدام هذه التصنيفات لتحديد الجامعات الأفضل لهم. وتدل الإحصائيات على وجود زيادة في أعداد الطلبة المهاجرين من بلدانهم الخالية من الجامعات الخلاقة والرصينة إلى الجامعات العالمية الرصينة.
وتشير إحدى الدراسات إلى أن أعداد الطلبة المهاجرين في العالم لسنة 2016 قد وصلت إلى أربعة ملايين ونصف طالب مهاجر. وتعد تصنيفات الجامعات أحد المؤشرات الجيوسياسية (Geopolitical indicator)، لأنها تدلنا على الجامعات المتميزة والدول التي تحتضن هذه الجامعات ومواقعها وتأثيرها. إن إحراز أي جامعة للمراتب الـ 30 الأولى ضمن التصنيفات العالمية الأربعة (تايمز، وكيو أيس، وشنجهاي، ويو أيس إنيوز تودي) يدل على تبني هذه الجامعات لاقتصاد المعرفة (Knowledge Economy) ضمن التصنيفات الأربعة المشار لها.
ويتذكر المختصون في هذا المجال الخلاف والجدل الكبيرين الذي حدث في ماليزيا في سنة 2005 نتيجة لنشر نتائج تصنيف تايمز للتعليم العالي، والذي أظهر انحدارا كبيرا في مرتبة الجامعتين الرئيستين في ماليزيا بمقدار 100 مرتبة، وحدث هذا الهبوط بسبب تغيير التصنيف المذكور لمنهجيته (Methodology) أي خوارزميته (Algorithm) المستخدمة لتصنيف الجامعات المختلفة، ولأن المنهجية الفائتة كانت معلومة للمختصين. وأدت هذه الأحداث إلى تنحي نائب رئيس جامعة مالايا (University of Malaya)، والسبب عائد لطبيعة هذه الدولة التي تسعى جاهدة إلى التحول للاقتصاد المبني على المعرفة (Knowledge-based economy)، وتُعد الجامعات الدعامة الرئيسية لهذا التحول. ويأتي هذا الاهتمام بالجامعات نتيجة الإدراك أن المعرفة هي العنصر الرئيسي للنمو الاقتصادي والمنافسة العالمية، وتعد الجامعات مصدرا للمعرفة التي تؤدي لبناء اقتصاد قوي غير قائم على الموارد الطبيعية.
لا شك أن الأزمة المالية العالمية التي تمر بها العديد من دول العالم قد أثرت سلبا على الجامعات، فليس بخافٍ على العديد من المختصين في هذا المجال وغيرهم، أن جودة التعليم وجودة البحوث المنجزة ترتبط ارتباطا وثيقا بحجم المبالغ المخصصة لهذا الغرض، لذا فإن الجامعات بحاجة إلى إدارات واعية لها نظرة إستراتيجية، ولديها الموارد المالية والبشرية الهادفة لتحقيق الرؤى المستقبلية. لقد أدت المصاعب المالية إلى تراجع مكانة العديد من الجامعات الأمريكية الرسمية (State Universities) بسبب خفض ميزانيات الدعم لها.
تهدف تصنيفات الجامعات إلى الارتقاء بالتعليم وبنوعية البحوث المنجزة، من خلال بث روح التنافس بين الجامعات في مختلف الدول. ولا زالت الولايات المتحدة تمتلك الرصيد الأكبر من الجامعات العالمية ذات الشهرة والجودة العالية. تُساهم الجامعات المتميزة حول العالم برفد الدول بعلماء ومبتكرين واقتصاديين يسهمون بتطوير الزراعة والصناعة والتجارة والطب والأدب...إلخ، وبالتالي فهم يساهمون في بناء اقتصاد قوي، وبالتالي دولة قوية قائمة على أناس يمتلكون كل مقومات الإبداع في شتى مناحي الحياة، مما يجعل الناس يحيون حياة أفضل.
ويهدف الاتجاه الجديد المتمثل بالتنافس ما بين الجامعات المختلفة على احتلال أرفع الرُتب ضمن تصنيفات الجامعات للوصول لمجتمع جامعي دائم الازدهار، قائم على التنافس المستمر لنيل أعلى الرُتب ضمن التصنيفات الجامعية المشهورة، وبذلك سنضمن حصول الأجيال المقبلة على فرص ومستوى أكبر وأجود من التعليم بمختلف مراحله. وهذا لا تناله إلا الجامعات التي تُعنى بجودة التعليم من خلال قبولها للطلاب الأذكياء المثابرين على الدراسة، كما تُعنى هذه الجامعات في ذات الوقت بعملية انتقاء كادرها التدريسي ممن يشهد لهم بجودة التدريس من خلال معيار مهم يتلخص بنسبة الخريجين الذين يعملون في تخصصاتهم في شركات لامعة خاصة، والتي لا يقبل فيها إلا الكفؤ كما هو الحال في شركات تكنولوجيا المعلومات مثل مايكروسوفت (Microsoft) وياهو (Yahoo!) وجوجل (Google)...إلخ.
إن تقييم الخريجين (Alumni) برأي الشخصي للأستاذ الجامعي سيكون أدق، من تقييمهم له أثناء الدراسة، لأن الطالب عند تخرجه يصبح أنضج، وانتفت أية علاقة مصلحية تربطه مع أساتذته، ولم يعد يرى الأستاذ من منظور الدرجة التي أعطيت له في مادة دراسية، وإنما سينظر إلى حجم المعلومات التي تلقاها ورصانة وعدل وحرص الأستاذ، ولا بد أن يشذ البعض ويرى الأستاذ فقط من منظور الدرجة التي منحت له. ومن ناحية أخرى يلزم أن يتمتع الكادر التدريسي بالقدرة على إنجاز البحوث الرصينة التي ترفع من مكانة الجامعة التي يعمل بها باحثون أكفاء، فهؤلاء يرفدون الجامعة ببحوثهم ويدربون الطلبة المتميزين على الأساليب الصحيحة للإبداع والبحث العلمي. وتوفر لنا مواقع مثل الباحث العلمي (Google Scholar) وبوابة البحث (ResearchGate) ومايكروسوفت للبحث الأكاديمي (Microsoft Academic Search) ومعاينة إسكوبس (Scopus Preview) الأدوات الموضوعية البعيدة عن الشخصنة في تقييمها للباحثين، ويمكن أن تساعد هذه المواقع أصحاب القرار في الجامعات المرموقة على اختيار أفضل الباحثين والمدرسين لتعيينهم وجذبهم وإغرائهم بالانضمام لهذه المؤسسات، أو تستخدم من قبل أصحاب القرار لتحديد أفضل الباحثين ضمن أية مؤسسة تعليمية لتكريم الأفضل، وهذا أسلوب يحفز على التنافس ويجعل الأفراد يبذلون أقصى ما يملكون من إمكانات للبقاء ضمن هذه البيئة وتحقيق المزيد من الإنجازات.
باحث ومتخصص بجودة
التعليم وتكنولوجيا المعلومات