أندرو شنغ شياو قنغ
ارتفعت أسعار العقارات السكنية في كُبريات المدن الصينية من الدرجة الأولى- بكين وشنجهاي وقوانغتشو وشنتشن. ويكلف شراء منزل هناك نصف تكلفة منزل في أغلى المدن في العالم: نيويورك ولندن وهونج كونج. إن السماح بتخفيض نسبي لكُلفة السكن، قبل أن تتراكم الكثير من الضغوط، يتطلب إدارة متطورة لتدبير شؤون التحضر السريع في الصين- وليس فقط في المدن الأربع الأولى.
وبطبيعة الحال، فإن الوضع السكني هو الأكثر إلحاحاً في المدن من الدرجة الأولى. وقد تحرّكت حكوماتها المحلية بسرعة لتهدئة السوق. فعلى سبيل المثال، رفعت بكين المبلغ المطلوب لشراء شقة ثانية كاستثمار بنسبة تصل إلى 80 % من السعر، ومنعت غير المقيمين من هذا الاستثمار تماماً.
لكن هذا مجرد حل مؤقت. سيتطلب الحل طويل الأجل من السلطات معالجة الارتفاع المستمر للطلب على العقارات السكنية، وذلك بسبب التدفق السريع للمواهب الصينية في كثير من الأحيان إلى المدن التي تتيح الوصول إلى الفرص الاقتصادية، ناهيك عن تحسين البنية الأساسية العامة. ويجب على صنّاع السياسات تحديد التوازن السليم بين سيطرة الدولة وقوى السوق في توجيه التحضر في جميع أنحاء البلاد.
ولعل الأهم من ذلك أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في 33 مدينة صينية أعلى من 424.12 دولاراً، وهذا يعني أنه وفقاً لمعايير البنك الدولي، فقد حققت هذه المدن مستوى مرتفعاً من الدخل. وقبل أربع سنوات، لم تتجاوز هذه العتبة سوى 16 مدينة صينية. وقد يوفر التحضر في هذه المدن ذات الدخل المرتفع نموذجاً لمواصلة التنمية الحثيثة في الصين أكثر من تجارب المدن من الدرجة الأولى.
ويطرح كتاب جديد بعنوان «النمو المتطور في الصين: نموذج مدينة فوشان» (شارك في تأليفه واحد منا، حالة واحدة من تلك المدن. في السنوات الأخيرة، تحولت فوشان نفسها من مقاطعة ريفية خارج قوانغتشو- عاصمة مقاطعة قوانغدونغ- إلى المدينة الصناعية الأكثر ديناميكية في الصين، مع دخل الفرد الذي بلغ 17.202 دولار في العام 2016، مقارنة مع 16.624 دولاراً لمدينة بكين و16.251 دولاراً لشنجهاي. في العام 2015، نما الناتج المحلي الإجمالي لفوشان بنسبة 8.3 %، مقارنة مع 6.7 % في بكين و6.8 % في شنجهاي، مع صناعة تمثل 60 % من الناتج المحلي الإجمالي للمدينة.
وعلاوة على ذلك، في بلد كان فيه الدين المفرط مصدر قلق متزايد، وصلت نسبة القروض إلى الناتج المحلي الإجمالي في فوشان في العام 2011 إلى 85 % فقط- أي أقل بكثير من المعدل الوطني البالغ 121 %. وكان النمو السريع للناتج المحلي الإجمالي في فوشان- من بين الأسرع في الصين- تحت قيادة القطاع الخاص، بدعم مناسب من الحكومة المحلية، وبالتالي كان يعتمد إلى حد كبير على التمويل الذاتي وليس الدين. وبالمثل، مَوَّل القطاع الخاص نحو ثلثي الاستثمارات الثابتة لشركة فوشان، التي تصل إلى 30- 40 % من الناتج المحلي الإجمالي.
وركزت إستراتيجية التنمية لفوشان على دمج المدينة ضمن سلاسل العرض الخاصة بدينامية دلتا نهر اللؤلؤ- والتي تضم المدن العالمية في هونج كونج وشنتشن وقوانغتشو- وبالتالي تأمين الروابط مع العالم بأسره. كما تضمنت تطوير المهارات والقدرات في القطاعات المتخصصة، وأوجدت أكبر أسواق الإضاءة والأثاث في العالم. أطلقت فوشان الآن العديد من الشركات الخاصة والشركات صغيرة ومتوسطة الحجم المنتشرة في أكثر من 30 مجموعة صناعية متخصصة في المدينة وتم دمجها في سلاسل العرض العالمية. ميديا جلوبال، على سبيل المثال، هي الشركة الرائدة عالمياً في مجال تطوير وتصنيع وبيع الأجهزة المنزلية.
وأقامت المدينة أيضاً روابط دول الجوار الأخرى، إذ يكمّل كل منها المزايا النسبية الأخرى، مما يعزز التقدم الجماعي. وفي الوقت نفسه، عززت فوشان المنافسة الشديدة داخلياً ومع مدن أخرى في الصين، والتي قد تكون كذلك السبب الأكبر في نجاحها.
وقد لعبت حكومة بلدية فوشان، التي كانت من بين الأوائل الذين جربوا مشاريع البلديات والقرى والخصخصة في أوائل الثمانينيات، دوراً مهماً في تعزيز المشاريع الخاصة. وعلى وجه الخصوص، دعمت تنمية المهارات وبناء الهياكل الأساسية الحيوية، مع تجنب إنشاء مساكن لا يمكن تحمل تكاليفها أو مباني المكاتب غير الضرورية. وفي بلد يعاني من الطاقة الزائدة ومن ارتفاع تكلفة السكن، كانت هذه السياسة بعيدة النظر.
وكان مفتاح النجاح هو النهج المرن الذي تتبعه السلطات، مسترشدة بالرصد الدقيق لإشارات السوق. وبفضل هذا الرصد، اعترفت حكومات فوشان على مستوى البلديات والمقاطعات بإعادة هيكلة جذرية في مسلسل العرض العالمي، واستجابت وفقاً لذلك، من خلال تحسين السكن والرعاية الصحية، وتوفير هذه الخدمات الاجتماعية حتى للعمال المهاجرين، وكذا معالجة التلوث المفرط.
كما دفعت الحكومة المحلية شركات فوشان الخاصة إلى استكمال العملية الصعبة لإعادة الهيكلة منذ العام 2008. وقد تحولت صناعة السيراميك في فوشان، على سبيل المثال، من صناعة سيئة، كثيفة الاستخدام للطاقة، والمجزأة إلى نظيفة وكفؤة في استخدام الطاقة، وإلى قطاع موحد، ويرجع ذلك إلى المعايير العالية التي وضعتها وتم تنفيذها من قِبل البلدية. وفي الوقت نفسه، ما زالت الحكومات المحلية في شمال شرق الصين مستمرة في الإصلاحات الهيكلية اللازمة لمعالجة الطاقة المفرطة، والنفوذ المفرط، وارتفاع تكاليف المعاملات، والثغرات في تطوير التكنولوجيا.
هناك وعي متزايد في الصين بإمكانات المدن. وكما أثبتت مدينة فوشان، فإن للمدن قدرة فريدة على دعم النمو، بما في ذلك من خلال تشجيع المنافسة، والنهوض بالابتكار، والتخلص التدريجي من الصناعات المتقادمة- مع التصدي للتحديات الاجتماعية، ومعالجة التلوث، وإيجاد قوة عاملة قادرة على التعامل مع التجديد التكنولوجي. وفي الوقت الذي تحاول فيه الصين إدارة التوسع الحضري- إذ تستجيب لقوى السوق بدلاً من محاولة التغلب عليها- يمكن أن يثبت نموذج فوشان أن قيمته لا تقدر بثمن.
أندرو شنغ: زميل المعهد الآسيوي العالمي بجامعة هونج كونج وعضو المجلس الاستشاري لليونيب حول التمويل المستدام. ورئيس سابق لهونج كونج للأوراق المالية والعقود الآجلة، وهو حالياً أستاذ مساعد في جامعة تسينجهوا إن بي.
شياو قنغ: رئيس مؤسسة هونج كونج للتمويل الدولي. وأستاذ بجامعة هونج كونج.