
جيفري ساكس
لم يحدث في التاريخ الحديث من قَبل قَط أن اجتذب تغيير القيادة في أي دولة مثـــل هذا القدر مـــن الاهتمــام والتأمل الذي اجتذبه صعود دونالـــد ترامـــب إلى الرئاسة في الولايات المتحدة. ولكي يتسنى لنا فهم دلائل هـــذا التغيير وما يُنذِر به، ينبغي لنا أن نتوصل أولا إلى حل خيوط ثلاثة أسرار غامضة، لأننا أمام ثلاث نسخ من ترامب.
تتجسد النسخة الأولى من ترامب في صديق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. يشكل حماس ترامب للرئيس بوتين الجزء الأكثر تماسكا وثباتا في خطابه. ورغم رؤية للعالَم تعد الولايات المتحدة ضحية لقوى أجنبية -الصين، والمكسيك، وإيران، والاتحاد الأوروبي- يتجلى حماس ترامب لبوتين واضحا وضوح الشمس.
واعتمادا على منظور الرائي، فإن ترامب إما معجب بالرجال الأقوياء من أمثال بوتين أو أداة تستخدم منذ أمد بعيد. ويكاد يكون من المؤكد أن الأمر لا يخلو من خلفية درامية، خلفية ربما تدمر إدارة ترامب إذا تأكدت بعض الشائعات الشنيعة. فنحن الآن نعلم أن بعض التواريخ والتفاصيل الرئيسية حول العلاقات بين ترامب وبوتين، والذي جَمَّعَه ضابط أسبق في المخابرات البريطانية، جرى التحقق منها بالفعل.
تشير مجموعة متنامية من الأدلة الظرفية إلى أن ترامب كان مدعوما بأموال روسية لعقود من الزمن. وربما أنقذت القِلة الروسية الحاكمة ترامب من الإفلاس، وتشير تقارير إلى أن أحد المنتمين إلى هذه القِلة سافر إلى عدد من محطات حملة ترامب، ربما كوسيط بينه وبين الكرملين.
والواقع أن العديد من كبار أعضاء فريق ترامب -بما في ذلك أول مدير لحملته بول مانافورت، ومستشار الأمن القومي المخلوع مؤخرا مايكل فلين، ورئيس إكسون موبيل التنفيذي الأسبق ووزير الخارجية الآن ركس تيلرسون، وقُطب صناديق التحوط ووزير التجارة ويلبر روس- يديرون تعاملات تجارية كبيرة مع روسيا أو القِلة الروسية الحاكمة.
وتتمثل النسخة الثانية من ترامب في رجل الأعمال . الواقع أن ترامب يبدو عازما على تحويل الرئاسة إلى مصدر آخر للثروة الشخصية. في نظر أغلب الناس، تبدو الرئاسة مكافأة في حد ذاتها، من دون تحصيل أي فائدة أخرى (على الأقل ليس أثناء تولي المنصب). وفي انتهاك صارخ للمعايير التي وضعها مكتب الأخلاقيات الحكومية، يحتفظ ترامب بإمبراطورية أعماله، في حين يناور أفراد أسرته لتحقيق مكاسب مالية في استثمارات جديدة في مختلف أنحاء العالم.
أما ترامب الثالث فهو شعبوي غوغائي ، وهو يتجاهل التصحيحات الحتمية من قِبَل وسائل الإعلام باتهامها بأنها «أخبار ملفقة». ولأول مرة في تاريخ أمريكا الحديث، يسعى الرئيس بكل عدوانية إلى شيطنة الصحافة وتشويه صورتها. في الأسبوع الفائت، منع البيت الأبيض ممثلي نيويورك تايمز، والسي إن إن، وبوليتيكو، ولوس أنجلوس تايمز من حضور مؤتمر صحفي للسكرتير الصحفي.
وتشير نظرية أخرى إلى أن النسخ الثلاث من ترامب -صديق بوتين، ورجل الأعمال الذي يسعى إلى تعظيم ثروته، والغوغائي- ليست سوى نسخة واحدة في حقيقة الأمر: فترامب رجل أعمال مدعوم منذ فترة طويلة من قِبَل الروس لسنوات .
ووفقا لهذا التفسير، تهدف الهجمات التي يشنها ترامب ضد الصحافة، ووكالات الاستخبارات، ومكتب التحقيقات الفيدرالي على وجه التحديد إلى تشويه سمعة هذه المنظمات مقدما قبل أن تكشف المزيد من الأسرار المتصلة بالمعاملات التي جرت بينه وروسيا.
ويتذكر أولئك الذين عايشوا قضية واترجيت كيف كان من الصعب محاسبة الرئيس ريتشارد نيكسون. فلولا الكشف عن أشرطة سرية تابعة للبيت الأبيض، كان نيكسون ليفلت بكل تأكيد من الاتهام والعزل، وكان ليكمل مدة ولايته.
وينطبق نفس الشيء على فلين، الـــذي كـــذب مرارا وتكرارا على عامـــة النـــاس ونائب الرئيس مايكل بنس، بشأن اتصالاته مع السفير الروســـي قبـــل توليـــه منصبه. ولكن مثله كمثـــل نيكسون، لم يسقط فلين إلا لأن أكاذيبه كانت مسجلة، وفـــي هـــذه الحالة من قِبَل وكالات الاستخبارات الأمريكية.
بعد الكشف عن أكاذيب فلين، جاءت ردة فعل ترامب متساوقة مع شخصيته، فقد هاجم التسريب وليس الأكاذيب. والدرس الرئيسي المستفاد من واشنطن، بل وسياسات الرجل القوي عموما في واقع الأمر، هو أن الكذب هو الملاذ الأول وليس الأخير.
إذا كان الكونجرس الأمريكي يضم العدد الكافي من الأعضاء المخلصين، فإن الأغلبية، التي تعلم أن الجمهوريين لن يمارسوا دور الشرطي على جمهوريين مثلهم، كانت لتطالب بتحقيق مستقل في العلاقات بين ترامب وروسيا. والحق أن السيناتور الجمهوري راند بول كان واضحا بشأن هذه النقطة، فأعلن أنه «من غير المنطقي» أن يجري الجمهوريون تحقيقا يتناول تصرفات جمهوريين.
ويبدو ترامب عازما على زيادة الضغوط على مكتب التحقيقات الفيدرالي، ووكالات الاستخبارات، والمحاكم ووسائل الإعلام لحملها على التراجع.
الواقع أن زعماء الدهماء يضمنون البقاء بفِعل الدعم الشعبي، والذي يحاولون الحفاظ عليه من خلال الحديث عن الجشع، والقومية، والوطنية، والعنصرية، والخوف. وهم يمطرون أنصارهم بمكافآت نقدية قصيرة الأجل، في هيئة تخفيضات ضريبية وتحويلات دخل ممولة عن طريق زيادة الدين العام وترك الفاتورة للأجيال المقبلة.
والواقع أن ترامب كان ناجحا حتى الآن في إسعاد أثرياء أمريكا، من خلال الوعود بتخفيضات ضريبية لا يمكن تحمل تكاليفها، في حين عمل على إبهار أتباعه من أبناء الطبقة العاملة من ذوي البشرة البيضاء بأوامر تنفيذية تقضي بترحيل المهاجرين غير القانونيين ومنع دخول القادمين من الدول ذات الأغلبية السكانية من المسلمين.
وستعمل التحديات القضائية لأوامره التنفيذية، ومشاحناته مع وسائل الإعلام، والتوترات الناجمة عن عجز الموازنة المتزايد الارتفاع، وكشف النقاب عن أسرار جديدة حول العلاقة بين ترامب وروسيا، على الإبقاء على النار مستعرة تحت المرجل وقد يتبخر أي دعم شعبي لترامب.
أستاذ التنمية المستدامة وأستاذ السياسات الصحية
والإدارة في جامعة كولومبيا