اليمن.. مرحلة ما بعد «الصوملة»!

مقالات رأي و تحليلات الخميس ١٦/فبراير/٢٠١٧ ٠٤:١٠ ص
اليمن.. مرحلة ما بعد «الصوملة»!

علي ناجي الرعوي

ثمة شعور بدأ يغزو أذهان وأفئدة اليمنيين بأن العام الجاري سيكون الأثقل وطأة عليهم في ضوء القرائن التي تتبدى في الأفق حيال التصعيد المتواتر في جبهات القتال والذي ارتفع معه منسوب العنف إلى الحد الذي تتراجع أمامه كل الفرص لإيقافه إذا ما أخذنا بعين الاعتبار مواقف المتعاركين على الأرض والذين انخرطوا في أجندات قوى إقليمية اتخذت من الساحة اليمنية مسرحا لتسوية خلافاتها بصرف النظر عن أولئك الذين انجروا في الداخل إلى هذه المتاهة وجعلوا من الصراع على السلطة أولويتهم القصوى، وهو الصراع الذي يعكس بتطوراته ومغامراته ليس فقط الانهيار الأمني والاقتصادي والسياسي الذي يحيق ببنية الدولة اليمنية اليوم بالقدر الذي ينبئ فيه على أن اليمن دخلت فعليا مرحلة ما بعد «الصوملة» وهي مرحلة لن تظهر نتائجها إلا بعد مرور بعض الوقت واكتشاف أن كل ما في اليمن قد انهار بشكل نهائي إلى درجة صار هناك أطفال يموتون في هذا البلد من الجوع.

خمسة أيام فقط تفصل اليمن عن الوصول لليوم الـ700 من الحرب المزدوجة والمتصاعدة أدخنتها منذ 26 مارس 2015 دون أي بوادر للتهدئة أو مؤشرات على تفاهمات توقف الدم اليمني الذي يسيل بغزارة، إذ أن ما يسترعي الانتباه هنا هو عدم اكتفاء الفرقاء المحليين والإقليميين بما خلفته هذه الحرب من تخريب وتقتيل ونزوح وتهجير وانشقاقات زلزالية هزت أركان حياة الملايين من اليمنيين الذين يعيشون منذ عامين بدون كهرباء ودون مرافق صحية وتعليمية حقيقية فضلا عن عوامل الإفقار والتجويع التي لازمتهم بعد انكسار البنية الاقتصادية بما جعل البنك المركزي عاجزا عن صرف رواتب الآلاف من الموظفين منذ أكثر من ستة أشهر، حيث والمؤسف هنا أن كل طرف من أولئك الفرقاء لا يزال يذكر برؤيته للحرب وليس برؤيته للسلام دون الالتفات لما تسببوا به من مآسي وويلات غيرت الديموغرافيات اليمنية رأسا على عقب.

حتى الأمس القريب كانت مواقف التحالف العربي الذي دخل هذه الحرب بشكل مباشر تحت عنوان «عاصفة الحزم» لا توحي من أن هذا التحالف وبعد هذه الفترة الزمنية الطويلة يشعر بالحاجة إلى إعادة النظر في استخدام القوة ومعالجة أي أشكال أو خطر من شأنه أن يهدد الأمن الإقليمي عن طريق الحوار بما يضمن سلامة اليمن وسلامة دول الجوار وبالتالي فقد ظل هذا التحالف يتصرف على أساس أن كل الخيارات باتت معدومة باستثناء الخيار العسكري لاسيما أنه من أعطي الضوء الأخضر من الدول الكبرى للمضي في هذا الخيار، وحصل على التغطية السياسية وجوانب الدعم اللوجستية التي تمكنه من مواصلة معركته حتى إنجاز أهدافه الاستراتيجية والمتمثلة كما يطرح بضرب النفوذ والتأثير الإيراني في اليمن وتحجيم الوجود العسكري لتحالف «أنصار الله- صالح» وصولا إلى إرغام هذا التحالف الذي يمتلك حدا أدنى من التماسك والقوى العسكرية المنظمة للاذعان للقرار العمومي 2216 الذي يدعو طرفي ذلك التحالف إلى تسليم السلاح وإعادة السلطة إلى الرئيس المعترف به دوليا والالتزام بمرجعيات المبادرة الخليجية ومقررات مخرجات الحوار الوطني.
مثل هذا الاستنتاج قد يبدو غريبا أو صادما للكثيرين ولكنه محور الارتكاز الذي تبنى عليه كل الشواهد المتسقة بتشابكات مواقف الأطراف الداخلية والخارجية المنخرطة بالحرب في اليمن والتي قاربت على دخول عامها الثالث، وقد يكون من باب المفارقة أن استمرار هذه الحرب أصبح مرتبطا بطبيعة التنافس الإقليمي مع إيران، وهذا ما يعتبره البعض سببا كافيا لإطالة أمد الصراع الذي يراه تحالف صنعاء ليس أكثر من عدوان غير مبرر يقتضي التصدي له بكل الوسائل على اعتبار أن النفوذ الإيراني في اليمن ليس بتلك الحيوية القائمة في العراق أو سوريا وإنما اتخذ ذريعة لتبرير «عاصفة الحزم» وما يزيد الأمور تعقيدا هو إصرار تحالف صنعاء على أن هذه الحرب ليس الهدف منها إعادة شرعية هادي كما أشار البيان الذي رافق بدء هذه العاصفة وإنما تقوية الطرف الداخلي على حساب أطراف أخرى مع أن لا أحد بوسعه إقصاء حزب علي عبدالله صالح وأنصار الله من الحياة السياسية ومن هذا التصور كان رفض هذين الكيانين للقرار 2216 لكونه الذي يتضمن بنودا يصعب عليهما القبول بها في ظل موازين القوى القائمة وهذه المعادلة وإن بدت بسيطة لكنها في الواقع العملي في غاية التعقيد. لا شك أن «عاصفة الحزم» أخرجت أنصار الله من بعض المحافظات وحالت دون سيطرتهم على كل اليمن وأنها من أوجدت واقعاً جديداً في تلك المحافظات بغض النظر عن ما إذا كانت (الشرعية) قادرة على السيطرة على تلك المناطق التي باتت تحت سيطرتها خصوصا في عدن ومحيطها وحضرموت والأجزاء التي لا تبعد عنها كثيراً، إلا أنه يمكن القول إن الوضع في اليمن بعد عاصفة الحزم أصبح مختلفاً عن ما قبلها وأن عودة الاستقرار إلى ربوع هذا البلد لم يعد يتوقف على هزيمة «أنصار الله- صالح) أو قبولهما بمرجعيات الحل التي تشترطها دول التحالف العربي، فهناك اليوم الكثير من الجماعات المسلحة التي تمتلك تأثيرا يعادل قوة أنصار الله أو صالح وقد جاءت الأحداث الأخيرة التي شهدتها محافظة عدن لتكشف عن أن بعض هذه الجماعات باتت تنازع هادي سلطته وشرعيته إن لم تكن تتهيأ فعلا للانقلاب عليه.
يبقى السؤال الأساسي، هل في الإقليم والعالم من يستطيع الاقتناع بحاجة اليمن إلى تسوية حقيقية تستند إلى صيغة جديدة ومبتكرة تأخذ بعين الاعتبار أن هذا البلد قد دخل في مرحلة ما بعد «الصوملة» وانتشاله من هذه المرحلة ليس بالأمر الهين أو السهل؟ ذلك ما نعتقد أن الأمين العام للأمم المتحدة الجديد أنطونيو غوتيريش قد استوعبه وما ورد في حديثه لوسائل الإعلام بالعاصمة العمانية الثلاثاء عقب لقائه بمعالي يوسف بن علوي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية يشي ببساطة أن لا بديل عن عمل شجاع لإعادة جلب السلام إلى اليمن عن طريق الحوار والتفاوض بعد أن فشلت الحرب والخيارات العسكرية عن ذلك.

كاتب يمني